حاوره: نضال القاسم

يملك الشاعر والروائي أحمد أبو سليم قدرة تحليلية عميقة لاستشراف المستقبل، وهو يدعو إلى عدم اليأس والقنوط من الحال العربي إن أردنا أن نرى المستقبل بصورة أجمل.

يأتي هذا الحوار بالتزامن مع صدور رواية "ذئاب منوية" وهي الثانية لأبو سليم بعد "الحاسَّة صفر". وتؤكد أن الطابع الفني العام في كتاباته قائم بالدرجة الأولى على اقتصاد لغوي ذكي، وعلى دلالات مكثفة ومفتوحة على تأويلاتها.

أما حصاد أبو سليم الشعري فتمثّله أربع مجموعات أثارت سجالاً وحراكاً واسعين هي: "دم غريب"، و"البوم على بقايا سدوم" (2008)، و"مذكرات فارس في زمن السقوط" (2006)، و"آنست داراً" (2010).

عن مسيرته مع الكتابة واشتباكه مع الشعر والرواية وقضايا أخرى كان هذا الحوار:

* لكلٍّ طريقه، فما هي البوصلة التي توجه أعمالك؟ وماذا تعني الكتابة لك؟ وما هو دور الأدب في رأيك؟ ما هي غاية الكتابة؟ ما علاقتها بالحياة؟

- الكتابة هي رؤية مختلفة للقبح، والجمال، لليوميِّ، للعاديِّ، فمثلاً بوسعك أَن تعيد بالكتابة خلق الشَّمس التي تراها كلَّ يوم، وتعطيها أَبعاداً جديدة، وتنظر إليها كما لو أَنَّك تراها للمرَّة الأُولى.

الكتابة محاولات اكتشاف، وإعادة لتأهيل الوعي، والتأريخ، وللحرف طاقة قد يدركها البشر ذات يوم، أَعني طاقة موجِّهة، وهي مرتبطة بدلالات الكلمة، والكتابة هي أَصل التَّراكم المعرفيِّ البشريِّ الذي يوجِّه العالم حتَّى بعد آلاف السَّنوات.

لكي تدرك قيمة الكتابة عليك أَن تتصوَّر العالم دون كتابة!

ليس ذلك فحسب، فالكتابة هي هُويَّة الشُّعوب، وبطاقة التَّعريف الملازمة لها عبر العصور، تخيَّل أَن الصُّهيونيَّة تتَّخذ من العهد القديم وثيقة تاريخيَّة لإثبات أَحقيَّتها في فلسطين، وتستند أَيضاً إلى وثائق بابليَّة تتحدَّث عن وجود اليهود في مناطق فلسطينيَّة، لتدافع عن منطق احتلالها لكلِّ فلسطين.

من هنا ينبع دور الأَدب في الكتابة، أَذكر أَنَّني قرأت في مكان ما أَنَّ الأَميركان إبَّان حربهم مع اليابان خلال الحرب العالميَّة الثَّانية قرأوا الأَدب الياباني لمعرفة طريقة تفكير اليابانيِّين، فالشُّعوب بالفعل في أَدبها تعكس رؤاها، وأَحلامها، وطموحاتها، ومعرفتها، ونقاط قوَّتها، وضعفها، وهكذا...

والأَدب نوعان: الأَوَّل يغطِّي ما كان، ويستشرف، والثَّاني يؤسِّس، وقد يندمجان معاً في عمل فريد، خالد، أَو في مجموعة أَعمال تعيد تركيب سيكولوجيا الإنسان ببطء، وتغيِّر من قناعاته.

نحن كعرب، وكفلسطينيِّين تحديداً، بحاجة ماسَّة إلى الأَدب العظيم، الذي يرقى لأَن يكون بمستوى القضيَّة الكبرى، فالقضايا الكبرى بحاجة إلى أَدب يليق بها، مؤهَّل لأَن يمثِّلها.

* مَن أساتذتك القدماء والجدد في الشعر والسرد؟

- تتلمذت في النثر على يدي غسَّان كنفاني، وجبرا ابراهيم جبرا، وحنا مينة، ورشاد أبو شاور، وعبد الرَّحمن منيف، عدا الرِّوايات الكلاسيكيَّة الأوروبيَّة، وفي الشعر ما زلت أَحتفظ بدفتر قديم منذ كنت في الثَّانية عشرة من عمري، وفيه تجد محمود درويش، وإيليا أبو ماضي، وأَبو القاسم الشَّابي، وسميح القاسم، حاضرين بقوَّة.

* ما علاقة النص الإبداعي بمرجعه الواقعي؟

- قدرة النصِّ على الإقناع تكمن في القدرة على المزج المحترف ما بين الواقعيِّ، والمتخيَّل، بحيث لا يستطيع القارئ أَن يميِّز بينهما.

ثمَّة مرجع واقعيٌّ يُبنى على أَساسه النصُّ، ولكنَّه قد لا يكون أَحياناً كافياً إذا اعتبرنا الأَدب هو ذهاب في الأَشياء إلى أَقصى ما فيها من أَجل توضيح الفكرة، وتسليط الضَّوء عليها.

الأَدب يستند أَصلاً إلى الخيال، لكنَّ الخيال وحده قد يكون طوباويَّاً، والواقع وحده قد لا يكفي إن لم يكن أَغرب من الخيال.

القارئ يبحث عن الدَّهشة، والدَّهشة المصطنعة هي نوع من الخداع، لذلك حاولت في روايتيَّ أَن أُدخل التَّاريخ، في التَّاريخ، وأَترك للقارئ السُّؤال، هل حدث هذا بالفعل؟ ربَّما نعم، وربَّما لا، لكنَّه كان يمكن أَن يحدث إن لم يحدث بالفعل، ولا شيء يمنع أَيضاً من أَنَّه حدث بالفعل، تلك هي المسألة.

المخيَّم في الرِّوايتين مرجعيَّة، والثَّورة، وفلسطين.. لكن ما قيمة الأَدب إن كان سيسرد الواقع كما هو؟ الأَدب محاولة لعجن هذا الواقع، وإعادة تشكيله على نحو يضمن أَنَّنا أَصبحنا أَكثر فهماً للماضي والحاضر والمستقبل.

أَنا أَميل إلى أَن يكون النصُّ الرِّوائيُّ نصَّاً يُراكم المعرفة لدى القارئ، ويدفع به للبحث، والتقصِّي، ومحاولة سبر كثير من الوقائع الملتبسة، لكنِّي أَفعل ذلك ضمن إشارات سريعة تثير فضول القارئ، لكنَّها لا توجِّهه إلى شيء بعينه.

* ثمة دائماً سر خلف نجاح أي عمل إبداعي، فأين يكمن سر نجاحك في رواية "ذئاب منوية"؟ وما الذي يميز هذه التجربة عن بقية أعمالك؟ ما الذي أردتِ قوله من خلال هذه الرواية؟

- العمل النَّاجح هو العمل الذي ترى نفسك فيه، يشدُّك منذ البداية حتَّى النِّهاية، ولا يستهتر بذكاء القارئ، العمل النَّاجح هو بالضَّرورة عمل ناضج، يعبِّر عن تجربة عميقة، يعالج الأَحداث بذكاء، من خلال شخصيَّات معبِّرة، بعيدة عن التَّسطيح.

على الرِّوائي أَن يمتلك المعرفة الكافية التي تؤهِّله لكتابة عمل ما، في مجال ما، وإلّا سيفقد مصداقيته منذ السُّطور الأُولى، حين تصطدم ببعض الأَعمال الرِّوائيَّة التي تقع في أَخطاء بدهيَّة، تفقد ثقتك مباشرة بالكاتب، وتتساءل إن كان مؤهَّلاً أَصلاً لعمليَّة الكتابة.

أَعتقد أَنَّ أَهمَّ الأَعمال هي تلك التي تعطي مساحة كافية للمتلقِّي للمشاركة في العمل، وإبداء الرَّأي، وهي تلك التي لا يمارس الرِّوائيُّ فيها دور الأُستاذ، وإنَّما دور الباحث عن إجابات لأسئلته، أَنا مارستُ هذا الدَّور في روايتيَّ "الحاسَّة صفر" و"ذئاب منويَّة"، وأُمارسه الآن في روايتي الجديدة "كوانتوم".

روايتي الثانية تلاحق الواقع بلغة شفيفة، وتحاول أَن تكتشف مدى الوهم الذي يعيشه الإنسان العربي دون أَن يدرك أَنَّه يعيش في الوهم، تحاول أَن تدرس هذا التغيُّر الفاضح في المفاهيم عبر ثلاثين عاماً فقط.

إنَّ نجاح أَيِّ عمل برأيي مرتبط بالدَّهشة التي يخلقها هذا العمل، وقدرة العمل على البقاء في ذهن القارئ حتَّى بعد أَن ينتهي منه.

الرِّواية تُبنى على الأَحداث، وقدرة الرِّوائي تكمن في سبك هذه الأَحداث بطريقة فريدة، ومنطقيَّة، مقنعة، وغير متوقَّعة، وعفويَّة، فإذا أُضيفت لكلِّ هذا اللُّغة الجميلة دون التوغُّل في اللُّغة، كلغة، أَصبح العمل مميَّزاً.

ثمَّة من أَخبرني وهم كثر، أَنَّهم أَنهوا الرِّواية على نفَسٍ واحد، وأَنَّهم أَعادوا القراءة بعد انتهائهم من العمل، وذلك هو خير دليل على أَنَّ الرِّواية أَدَّت دورها، وتركتْ لذكاء القارئ مساحة يتحرَّك من خلالها، ليجيب عن أَسئلتها.

* ماريّا، الأب ميخائيل، أسعد، إجلان غوفان، فتحي، رقيَّة، أمينة، خالد، علي بابا، جعفر، إدريس، مراد، أمل. أيّ هؤلاء ما زال حاضراً في ذاكرتك ويعيش معك؟

- جميعهم يعيشون معي، فهم على كلِّ حال باجتماعهم داخل "ذئاب منويَّة" شكَّلوا حالة ما، وخلقوا أَحداثاً عشتها بكلِّ تفاصيلها، وتألَّمت لها، ولهم، وحزنتُ معهم، وفرحت، وشعرت باللَّذة التي شعروا بها في لحظات خارج الزَّمن.

شعرت ببؤس إدريس الابن، والعبث الذي عاشه، والخواء، والخديعة، وشعرت بخيبة إدريس الأب، وبحث فتحي عن الأَمل الضَّائع، وانكسار علي بابا، وخيبته، وهروبه من الواقع، شعرت بهاجس أَمينة، والدُّموع التي كانت تحاول أَن تخفيها كلَّ صباح وهي تتصنَّع الابتسامة، وتنتظر انتقامها، "ذئاب منويَّة" عالم نخره السُّوس، أَكله الطَّاعون، وما تبقَّى منه يدعو للبكاء.

لقد عشتُ في هذه الرواية خمس سنوات تقريباً كلَّ يوم، تشرَّبتُ هناك الأَلم، وأُصبتُ أَحياناً بالإحباط، والكآبة، ومارستُ الفصام، وعانيت آثاره، والزهايمر، ونفيتُ، وسجنتُ، وجننتُ وأَنا أُحاور رقيَّة، وأَستنطقها محاولاً أَن أَكتشف تلك الأَسرار التي كانت تخبِّئها عنِّي، أَتوسَّل إليها، حتَّى شعرتُ بتعاطفها، شعرتُ بالنَّار التي أَكلتْ جسد علي بابا، كنتُ أَعيش كلَّ لحظة فيها حتَّى إَنَّني متُّ فيها مرَّة تلو المرَّة، ثمَّ عدتُ للحياة لأَروي ما رأيت في الموت.

* كيف توصلت إلى موضوعك الروائي وطوّعته على هذا النحو وصنعت من تلك الشخوص البسيطة عوالم شديدة الثراء والتنوع، لا سيما أن الرواية يمكن تصنيفها كواحدة من روايات القضايا الكبرى. ثم، كيف تنظر لمسألة القضايا الكبرى والصغرى في الفن الروائي؟

- الموضوع عادةً لا يأتي من الفراغ، أَو يهبط فجأَة من السَّماء، الموضوع يكون أَنت كروائي، من هنا تأتي قيمة التجربة الحياتيَّة المعاشة، ما الذي بوسعك كروائي أَن تعيد كتابته على الورق؟ بحيث تعمِّم الخاص إلى درجة التداخل مع خيوط تشعر بها لكنَّك لا تراها، أَعني كيف يمكن للرِّوائي لا أَن يعيد صياغة الواقع فحسب، إنَّما أَن يستشعر مكامن السُّؤال أيضاً.

قد تقودك الرِّواية من خلال أَحداثها وشخوصها عبر طريق خاطئ، وعليك أَحياناً أَن تمتلك حاسَّة الرِّوائي لتدرك من خلالها أَنَّك قد ضللت، وعليك العودة إلى نقطة ما، تعرفها، وتعيد تلمُّس الطَّريق من جديد، وكأَنَّك في متاهة تبحث عن طريق للخروج بواسطة حاسَّتك تلك، التي لا همَّ لها سوى أَن تعيد إنتاج السُّؤال من جديد.

المواضيع ملقاة حولك، في كلِّ مكان، وكلُّها تحمل قضايا كبرى، ومقولات إنسانيَّة، لكن يبقى السُّؤال القائم، من بوسعه أَن يلتقط ماذا، وكيف يمكن له أَن يعيد إنتاجه؟

أَنا لا أتَّفق مع مقولة أَنَّ الأَدب يعيد إنتاج نفسه بطريقة أُخرى، وإلّا ما حاجتنا لأَدب جديد؟ ثمَّة تطوُّر لا يتوقَّف وعليه، فثمَّة أَدب إذن لا يتوقَّف عن النموِّ والتطوُّر، أَعرف أَنَّني أُغامر كثيراً في هذا القول، ولكنَّني أَستطيع أَن أَزعم بأَنَّه صحيح.. ما دام هناك اكتشافات جديدة في الفيزياء، والرِّياضيَّات، والعلوم الأُخرى، كعلوم النَّفس، وغيرها، إذن فلا بدَّ من البحث دائماً عن أَدب موازٍ، يواكب هذا التطوُّر، المجتمعات ما عادت هي ذاتها، والقيم اختلفت باختلافها، والحقائق تصبح حقائق أُخرى، والقناعات تنقلب، وتنمحو، ويظهر مكانها قناعات جديدة، فلماذا لا يواكب ذلك أَدب مواز يحمل شكلاً جديداً أَيضاً.

المسأَلة باعتقادي بحاجة منَّا فقط للخروج من عمليَّة الاستسهال التي يمارسها الكثير من الكتاب، الكتابة خلق، والخلق صورة للخالق.

* ثمة أزمة حقيقية تشهدها ثقافتنا، هل ترى ذلك، وهل ترى أن الخطاب الثقافي بحاجة إلى تغييرات جذرية حتى يتواءم مع فكرة التعدد والتنوع؟

- المأزق الثَّقافيُّ العربيُّ واضح، لكنَّنا نحاول أَن نقفز فوقه دائماً كي لا نُتَّهم بوضوحه.

هناك الكثير من المثقَّفين الذين سعوا إلى تشخيص هذا المأزق، وبدقَّة متناهية، لكنَّه في الحقيقة ليس مأزقاً ثقافيَّاً فقط.

نحن لا نستطيع أَبداً أَن نعزل الثَّقافة عن محاور الحياة الأُخرى، ونحاول أَن ندرس الثَّقافة وكأَنَّها نبتٌ مستقلٌّ لا علاقة له بما هو حوله.

الثَّقافة قبل كلِّ شيء إرث هائل، وهي انعكاس أَيضاً للسِّياسي، والاجتماعي، والنَّفسي، والاقتصادي، إلخ.

ومن هنا يمكن أَن نشخِّص الأَزمة بأَنَّها باختصار أَزمة كلِّ شيء: أَزمة هويَّة مثلاً، أَزمة وجود الكيان الصُّهيوني، أَزمة استيراد مفاهيم جاهزة، أَزمة الهيمنة الأَميركيَّة والاستعمار الأَميركي- الأَوروبي الجديد، أَزمة الأَنظمة الأَمنيَّة البوليسيَّة المرتهنة للمحتلِّ، أَزمة الخوف، أَزمة الموروث الدِّيني الذي اختلط في عقول البشر، وتحجَّر، ما أَنتج لنا الحركات الدِّينيَّة المتطرِّفة الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة، أَزمة تاريخ، وجغرافيا، وفي ذات الوقت أَزمة لغة أَيضاً.

المسأَلة ليست تعدُّداً وتنوُّعاً، فالتَّعدُّد نتيجة وليس سبباً، عليك لكي تؤمن بحريَّة الآخر بمعتقداته أَن تكون قد قطعتَ شوطاً طويلاً في التَّحرُّر من ذاتك ومن موروثك، فالموروث أَصلاً لا يتيح لك ذلك، ولكي تصل إلى هذا المكان، أَنت بحاجة إلى ثورة على كلِّ شيء.

حين نتحدَّث عن الحداثة مثلاً نحن ننسى أَن الحداثة الأَوروبيَّة نتاج ثورات اجتماعيَّة، فمن أَين سنأتي بحداثتنا إن لم ننجز هذه الثَّورات على أَنفسنا؟

للحداثة أَدوات نحن لا نمتلكها بعد، لكنَّنا مصرِّون على تقمُّص الحداثة ما يخلق فجوة بين المثقَّف والشَّارع، ما فتأت تزداد، ما ينذر بغربة المثقَّف المطلقة، وزيادة الهوَّة بين الطَّرفين.

الحداثة لا يمكن أَن تنجز دون نظام سياسيٍّ يشكِّل الحاضنة لها، والذي يجري في الوطن العربيِّ هو العكس تماماً، فالأَنظمة السِّياسيَّة ليست غير معنيَّة بالحداثة فحسب، بل تحاربها، وتعمل على التَّجهيل لأَنَّ التَّجهيل هو ضمانة استمرارها.

وعليه، أَنا أَرى أَنَّ أَصل الأَزمة الثَّقافيَّة هو وعي المثقَّف بأَنَّ التنظير الثَّقافي وحده لا يمكن أَن يحدث تغييراً، أَنت بحاجة إلى أَدوات كثيرة لإحداث هذا التغيير، والخروج من الأَزمة، وبالتَّالي تنوُّع الخطاب.

* ماذا يمثل لك العنوان؟ هل هو عتبة موجهة لعملية القراءة؟ وهل يمكن للرواية أن تعيش بعيداً عن السياسة والأيديولوجيا؟

- العنوان هو التحدِّي الأَوَّل والأَصعب الذي يواجهني دائماً.

كيف يمكن أَن تجد عنواناً ليس مبتذلاً، وفي الوقت نفسه مبتكراً، ومقنعاً، وجاذباً، وملتصقاً بالنصِّ مثلما يلتصق الجلد باللَّحم والعظام؟

النصُّ عادة ما يحمل عنوانه في أَحشائه، وعليك أَن تبحث عنه، تلك رحلة طويلة، وشاقَّة، وتأخذ أَحياناً شهوراً طويلة، تقترح على نفسك خلالها مئات العناوين، ثمَّ في لحظة ما وأَنت تعيد قراءة النصِّ مرَّات، ومرَّات تصرخ: وجدتها.

لكنَّك مع ذلك مضطرٌّ لغرابة العنوان أَن تستشير أَصدقاءك المقرَّبين، حتَّى لا تقع في خديعة نفسك.

العنوان باعتقادي يعبِّر عن عبقريَّة الكاتب، فأَنتَ حيت ترى عنوانا غريباً ستجد أَنَّه يجذب فضولك، لتكتشف ماذا يريد الكاتب من عنوان كهذا.

بالنسبة للشقِّ الثَّاني من السُّؤال، فالرِّواية طبعاً ابنة الواقع، وهي بالتَّالي تعكس صورة هذا الواقع، وعليها أَن تكون وفيَّة له، ولا واقع دون سياسة، ودون جنس، ودون دين، وهي التابوهات المحرَّمة، الأَدب المؤدلج يفقد قيمة كبيرة من أَبعاده. على الكاتب باعتقادي أَلا يكون منحازاً مسبقاً ككاتب للفكرة، حتَّى لو كان يؤيِّدها، عليه أَن يطرح شخصيَّاته بأَمانة، فلا يوجد شرٌّ مطلق، ولا خير مطلق، ولا وجهة نظر أُحاديَّة حقيقيَّة بالمطلق، وهنا يكمن حياد الكاتب، وعدم فرض نظريَّاته الأَيدلوجيَّة على القارئ، لأَنَّ ذلك يفسد القراءة، ويحقِّر من قيمة القارئ، دع كلَّ شخصيَّة تعبِّر عن نفسها بحريَّة، وتعلَّم أَنت من شخصيَّاتك، وستجد أَنَّ القرَّاء ينحازون كلٌّ إلى ما يحبُّ، ويريد.

* ما زالت إشكالية التراث مطروحة على ساحتنا الثقافية العربية، ما موقفك من التراث؟ وكيف تنظر إلى توظيف السيرة الشعبية أو التاريخ أو الخرافة في الرواية عموماً؟

- بوسعك أَن توظِّف ما أَردتَ في الرِّواية، وأَن تذهب إلى أَقصى مكان تستطيع أَن تصل إليه، ذلك شأنك، ولكن بشرط أَن تبدع فيما ذهبتَ إليه، لا أَن تطرح الأَشياء بشكل ممجوج مكرور، لأَنَّ ذلك لن يضيف شيئاً إلى القارئ، وإلى الأَدب عموماً. مشكلة التُّراث أَنَّ الدِّين امتزج فيه مع المروث، فأَصبح ثمَّة محرَّمات لا يسمح لك بالاقتراب منها.

ثمَّة متغوِّلون، وأَوصياء، وحرَّاس، يحاولون دائماً أَن يعطوك قوالب جاهزة كما كان يفعل الباباوات قبل مئات السِّنين مع المسيحيِّين: خذها كما هي ولا تجادل، أَيْ لا تُعمل عقلك...

هناك موروث بحاجة إلى إعادة نفض، وبعضه بحاجة إلى أَن يعدم تماماً لأَنَّه موروث ملتبس، لا يدلُّ إلّا على السَّذاجة، والغباء، ولا نفتأ نكرِّره بفخر مناقضين حتَّى إيماننا، وأَنفسنا به، وهم يمنعونك على الأَغلب من الاقتراب منه، أَعني باباوات العصر الجديد.

الرِّواية مكان خصب للعمل، بوسعك أَن تمرَّ على الموروث الثَّقافي فتأخذ منه الصَّالح، وتنقض الطَّالح على طريقتك، لكنَّك يجب أَن تتحلَّى بالشَّجاعة لمواجهة الطُّوفان الذي لن يرحمك.

الكاتب ليس صورة للمجتمع وإلّا فقد مبرِّر وجوده، بل هو الرَّائي الذي يستطيع أَن يرسم وجهاً أَفضل للأَشياء، أَن يعدِّل، ويطوِّر، ويطرح رؤيا جديدة من شأنها أَن تجعل الأُمَّم تخطو خطوة إلى الأَمام لأَن الوقوف يعني الموت...

حين يسكن الماء، ينتن، وذلك حال المجتمعات البشريَّة، المجتمع يشبه النَّهر، وهو بحاجة دائماً إلى قوَّة دافعة للأَمام، والمثقَّفون، والعلماء، هم هذه القوَّة الدَّافعة.