..و لطالما اعتُبر القلب رمزاً للحب الرومانسي. تحتفل ثقافات العالم كافة بالحب أو تعبّر عن انفطار القلب عبر الأغاني والقصائد والفنون والقصص. علمياً، تثبت المعطيات أن القلب ليس مجرّد استعارة رمزية أو مضخّة جامدة. يمكن أن يؤدي انفطار القلب إلى توقف الأخير حرفياً لكن يسمح قليل من حب الذات بإطالة العمر لحسن الحظ!

يخفق القلب مئة ألف مرة يومياً تقريباً ولا يكفّ عن التواصل مع الدماغ. وحين نقع في الحب، يدخل القلب والعقل في «تفاعل متسلسل» معقّد يحمل طابعاً عصبياً وكيماوياً. يمكن اعتبار الحب مخدّراً لأنه ينشّط مسارات المكافأة في الدماغ بقدر الكوكايين! وعندما نقع في الحب، ينتج الدماغ كميات كبيرة من هرمون «فينيل إيثيل أمين» الذي يؤجج مشاعر النشوة والسعادة والطاقة الفائقة. ثم تطلق القشرة الجبهية الدوبامين، ناقل عصبي مسؤول عن شعور السعادة أيضاً.

تدفعنا الرغبة في إنتاج المزيد من الدوبامين إلى بذل جهود مضاعفة لاستمالة الشخص الذي يعجبنا. لكن حين ترتفع مستوياته، يتراجع معدل هرمون السيروتونين المرتبط بالسعادة والراحة، لذا تزداد الرغبة في إنتاج المزيد.

يدفعنا تدنّي مستويات السيروتونين أيضاً إلى التصرف بطريقة انفعالية وتزداد تقلباتنا المزاجية. في المقابل، يؤدي ارتفاع مستوى الدوبامين إلى إنتاج التستوستيرون وتعزيز الرغبة الجنسية. في غضون ذلك، يأمر الدماغ الغدد الكظرية بإنتاج الأدرينالين والنورادرينالين لتأجيج الحماسة بدرجة إضافية، ما يعني ظهور أعراض جديدة مثل تعرّق اليدين وتسارع خفقان القلب. في الوقت نفسه يتراجع نشاط الفص الجبهي، ما يعني فقدان جزء من القدرة المعرفية مؤقتاً، لذا يُقال إن الحب أعمى!

أخيراً، ينشأ هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالحب والببتيد العصبي فاسوبريسين لتشجيعنا على إقامة علاقة دائمة مع الطرف الآخر. يخفف الأوكسيتوسين مستوى الضغط النفسي، حتى أنه يساعدنا على زيادة مستوى انتباهنا عبر تهدئتنا وتجديد تركيزنا.

عند الانفصال

لكن حين يحصل الانفصال، تتدفق موجة مماثلة من الهرمونات في الجسم، فينشط الجهاز العصبي اللاودي ويشتدّ الألم الجسدي. الحب مؤلم فعلاً! سرعان ما تتضيّق المسارات الهوائية وتزداد صعوبة التنفس ويتباطأ إيقاع القلب وقد نشعر بأنه ينكسر حرفياً!

تحفِّز المنطقة الدماغية المسؤولة عن تنظيم العواطف العصب المبهم بدرجة مفرطة، ما يؤدي إلى إنشاء روابط بين الدماغ والعنق والصدر والبطن. نتيجةً لذلك ينقبض الجهاز الهضمي، لذا نشعر بتشنج في المعدة وتضعف الشهية ويشتدّ الغثيان. قد يؤدي غياب الدوبامين إلى أعراض مشابهة لما يحصل عند التوقف عن تعاطي المخدرات. عند حصول انفصال لاإرادي مفاجئ، ترتفع مستويات الأوكسيتوسين على المدى القصير، فيزيد تعلّقنا بالشخص الذي فقدناه.

في نهاية كل علاقة تبدأ التساؤلات عن حقيقة ما حصل، فتنشط الدوائر المسؤولة عن رد فعل الهرب أو المواجهة وينتج الجسم الأدرينالين والكورتيزول. يظن بعض العلماء أن هذه العملية تهدف إلى التكيّف مع الخسارة ويمكن أن تسمح لنا بالتوقف للحظة وتقييم الأخطاء لتجنبها مستقبلاً.

«متلازمة القلب المكسور»

..ونعود الى محبة جبران في كتابة النبي:

المحبة.. تضمكمْ إلى قلبها كأغمارِ حنطة..

على بيادرها تدرسكمْ لتظهرَ عُريكمْ..

تطحنكمْ فتجعلكمْ كالثلجِ أنقياءْ..

ثمَّ تُعِيدكمْ لنارها المقدّسة..

لكي تصيروا خبزاً مقدّساً..

يقرَّبُ على مائدةِ الربِّ المقدّسة..

بدأ العلماء للتو يفهمون الرابط المعقد بين القلب والدماغ والأمعاء. تبيّن أنها أعضاء فيها خلايا عصبية، لذا برزت فرضية مفادها أنها قد تحمل شكلاً من الذكاء. وبات معروفاً أن مشاعر القلق والاكتئاب والغضب والخوف يمكن أن تنعكس سلباً على وظيفة القلب.

من المعروف أيضاً أن انفطار القلب مرض حقيقي وقد يصبح قاتلاً حتى لو كان الأشخاص المعنيون أصحاء، لا سيما النساء. تشبه مؤشرات «متلازمة القلب المكسور» أعراض النوبة القلبية الحقيقية، منها ألم الصدر القوي وضيق التنفس وعدم انتظام ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم وتغيّر التركيبة الكيماوية للدم. تتدفق هرمونات الأدرينالين والنوربينفرين والكورتيزول في مجرى الدم بسبب الضغط النفسي الشديد الذي يمكن أن يرتبط بحالات الانفصال والحداد وحتى الكوارث الطبيعية. تحفّز هذه التفاعلات الكيماوية جهاز القلب والأوعية الدموية، حتى أنّ حجم القلب يتضخم في هذه الظروف. لا تكون متلازمة القلب المكسور نادرة بقدر ما نظن، إذ تصاب 5 من النساء اللواتي يتعرضن لنوبات قلبية بتلك المتلازمة.

اكتشفت دراسة حديثة أن النساء المطلّقات يصبحن أكثر عرضة للنوبات القلبية من النساء المتزوجات. ويرتفع الخطر بنسبة %77 لدى المرأة التي تطلّقت مرتين أو أكثر. في المقابل، لوحظ أن احتمال التعرّض لنوبة قلبية يزداد حصراً لدى الرجال الذين يتطلقون مرتين على الأقل.

متلازمة القلب المكسور المرتبطة بالضغط النفسي أكثر شيوعاً بين النساء في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث، لكن قد تصيب هذه المشكلة نساءً أصغر سناً أيضاً. لذا يجب أن تتنبّه المرأة عموماً من أعراض ألم الصدر وضيق التنفس والإغماء. تزداد حالات الوفاة المرتبطة بأمراض القلب بين فئة النساء لكن يمكن تجنّب عدد كبير منها. تميل المرأة عموماً إلى تأجيل الاتصال بالإسعاف أو الذهاب إلى المستشفى إلى أن يصبح المرض في مرحلة متقدمة، لذا يتأخّر التشخيص والعلاج. تثبت البحوث في هذا السياق أن %60 من النساء اللواتي يتعرضن لنوبة قلبية يشعرن بألمٍ في الصدر. لكن تشمل الأعراض الأقل شيوعاً للنوبة القلبية ضيق التنفس والغثيان والألم في الذراع أو الفك.

أهمية التمارين والاسترخاء

يمكن أن يداوي الحب القلب المكسور لحسن الحظ! حين نطوّر حبنا لنفسنا عبر ممارسة تمارين معتدلة بانتظام (150 دقيقة على الأقل أسبوعياً) وتبنّي حمية غذائية صحية والإقلاع عن التدخين وتجنب اكتساب الوزن، يمكن أن نحتمي من أمراض القلب ونحسّن ضغط دمنا.

تكثر الأدلة التي تشير إلى منافع ممارسات الاسترخاء الذهني مثل اليوغا على مستويات صحية متعددة، من بينها وظيفة القلب وحالات الاكتئاب والقلق التي تسبب مشاكل قلبية. يوصي الخبراء النساء بقياس معدلات ضغط الدم والكولسترول وسكر الدم ومستوى الدهون سنوياً، لا سيما بعد عمر الأربعين، لأن إيقاع الأيض يتباطأ في هذه المرحلة. كذلك، يمكن حماية القلب منذ سن مبكرة عبر تكثيف حركة الجسم، إذ تنشّط التمارين الجسدية مسارات المكافأة في الدماغ وتعزز الشعور بالتحسن.

لمعالجة انفطار القلب، يجب أن نعزّز الاسترخاء الذهني والتعاطف مع الذات. تزداد الأدلة على تأثير هذه العوامل الإيجابية كونها تخفف التفاعلات العصيبة وتخفّض مستويات الأدرينالين والكورتيزول وتُنشّط الدوائر العاطفية في الدماغ، ما يؤدي إلى إطلاق الأوكسيتوسين.

على صعيد آخر، ينشّط الاسترخاء الذهني القشرة الجبهية ويُعطّل اللوزة الدماغية، ما يعني تلاشي رد فعل الهرب أو المواجهة. مع مرور الوقت، تزداد المرونة العصبية في القشرة الجبهية وتتراجع كثافة المادة الرمادية في اللوزة الدماغية. كذلك يُنشّط التأمل الجهاز العصبي اللاودي، ما يسمح لنا بالحفاظ على الهدوء رغم الظروف العصيبة.

يساعدنا الاسترخاء الذهني أيضاً على التعامل مع الحزن والتعاسة. من خلال تقبّل العواطف بدل مقاومتها، يمكن أن تظهر وتتلاشى تلقائياً وهكذا تمرّ المرحلة الصعبة بسلاسة. ويكون التعاطف مع الذات مفيداً في الأوقات الصعبة. تقضي أسهل طريقة بوضع يدك على قلبك والتركيز على الدفء الذي تشعر به. الأمر أشبه بمعانقة الذات! يشعر الناس بالراحة حين يقومون بهذه الحركة طوال 10 ثوانٍ على الأقل نظراً إلى إطلاق الأوكسيتوسين في الجسم.

أثبتت الدراسات أن الأوكسيتوسين يُسهّل النوم ويزيد صفاء الذهن ويقوي المناعة ويُخفّض ضغط الدم ويرخي العضلات، فضلاً عن أنه يبدد الضغط النفسي ويريح الجهاز العصبي اللاودي. كذلك يرتبط بفترات الولادة والرضاعة والمخاض والنشوة والغرام ويمكن أن يطلقه الجسم خلال أي سلوك اجتماعي إيجابي مثل رفقة الأصدقاء واللمس والتدليك والرقص والتلذذ بالطعام والضحك. حين ينفطر قلبك، تواصل مع صديق عزيز أو شاهد فيلماً كوميدياً أو اذهب للرقص أو تناول وجبة لذيذة أو عانق أحباءك!

..وبعد..

المحبة.. لا تعطي إلا ذاتَها..

المحبة.. لا تأخذُ إلا مِن ذاتِها..

لا تملُكُ المحبةُ.. شيئاً ولا تريدْ أن أحدٌ يملُكها..

لأنّ المحبة مكتفية بالمحبة..