التشريع واحدة من أرقى الصيغ التي توصل إليها العقل البشري، لتنظيم العلاقة بين الناس داخل المجتمع الواحد، وبين المجتمعات بعضها مع بعض، وهي صيغة للتطوير والتحديث، وفق تطورات الحياة واحتياجات البشر، أفراداً وجماعات، من هنا كان التشريع من المهمات التي أباحها الله عزوجل لخليفته على الأرض، ذلك أنه عزوجل اختص نفسه بالعقائد وحرم الخوض فيها، لكنه أعطى للإنسان حرية التفكير في القوانين والأنظمة التي تنظم حياته وعلاقاته على هذه الأرض، على أن لا تتعارض هذه الشرائع مع العقيدة الإلهية، من هنا كان الفقه الإسلامي وكان الاجتهاد الذي تولى وضع القواعد والأسس التشريعية لتنظيم العلاقة بين البشر، لأنها تحتاج إلى مواصفات خاصة أهمها العلم والمعرفة والخبرة، بالإضافة إلى النزاهة والموضوعية اللتين يجب أن يتصف بهما المشرع الذي يتقدم في هذا المجال على القاضي، لأن القاضي يحكم بما يسنه المشرع من قوانين وما يصل إليه من اجتهادات.

مناسبة هذا الحديث ما يثار بين الفينة والأخرى عن مواطن خلل أصابت حالتنا التشريعية، نجم عنها قوانين وأنظمة قاصرة ومتضاربة أحيانا، مما يسبب العنت للناس عند تطبيقها لذلك نجدد الدعوة مرة أخرى، إلى أهمية توفير بيئة تشريعية ناضجة واعية خبيرة مختصة، تستطيع أن تنتج لنا منظومة قانونية عادلة، تجعل حياتنا سهلة ميسورة.

إن أول شروط هذه البيئة التشريعية التي ندعو إليها أن تكون نابعة من تجربتنا وسياقنا الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فآفة بعض التشريعات التي صدرت في بلدنا افي أوقات سابقة أنها لم تكن وليدة بيئتنا الاجتماعية، وكثيرة هي الحالات التي تم فيها الحديث عن قوانين تمت ترجمتها من لغات أخرى، ووضعت لأمم وشعوب أخرى تختلف في تجربتها وسياقها الثقافي والحضاري عن تجربتنا وعن سياقنا الحضاري، ولم نكتشف عيوب هذه القوانين الأبعد التطبيق الذي سبب الكثير من الإرباك، والاضطرار إلى إدخال تعديلات مبكرة عليها، وقيل في تبرير ذلك أن الرغبة في «تنفيع « بعض المتنفذين هو الذي دفع إلى « تلزيم» مكاتبهم « القانونية» ترجمة هذه القوانين، التي كان مطلوب نفاذها باعتبارها تحمل حلاً لمشكلاتنا التي نعاني منها، أو باعتبارها وصفات دولية مطلوب تطبيقها في بلادنا، ومهما كان السبب فقد وقع الخطأ ونجم الضرر، وصار علينا أن نؤمن بأن التشريعات يجب أن تكون بنت بيئتها وسياقها الثقافي، وبغير ذلك يصبح التشريع مصدر ضرر وإرباك بدلاً من أن يكون أداة تنظيم وسبيل نفع عام.

وعلى ذكر الترجمة والمترجمين، فقد قيل أيضا أن من أسباب اللجوء إلى ترجمة قوانين من مجتمعات أخرى، هي الرغبة في سرعة إصدار بعض القوانين، وهذا عيب آخر أصاب بنيتنا وبيئتنا التشريعية، ذلك أنه لا يجوز ممارسة التشريع تحت تهديد الوقت ودواعي السرعة والعجلة، فالسرعة تورث الندامة في كل شيء، ونحن لانريد أن تورثنا قوانينا ندماً وندامة، كما أن السرعة من أسباب وقوع الخطأ والخلل، وكثيرة هي التشريعات التي اكتشفنا خللها بعد صدورها على عجل، ولعل هذه العجلة في إصدار التشريعات سببا من أسباب وجود الكثير من التشريعات التي تسبب الحرج والإرباك للقضاة، بل إن السرعة دفعت في بعض الأحيان إلى تضمين تشريعات جديدة نصوصاً وأحكاماً في تشريعات سارية ونافذة، من هنا أهمية التأني في إصدار التشريعات من حيث وجود أسباب موجبة مقنعة، ومن حيث وجود نقص يحتاج إلى سد بتشريعات جديدة، ومن حيث ضرورة التأكد من عدم وجود نصوص في التشريع الجديد تتعارض مع نصوص في قوانين نافذة أو من حيث وجود تكرار مخل في التشريعات.

وفي إطار الحديث عن السرعة والعجلة وضررها على التشريعات، حيث لا يجوز صدور تشريع تحت سيف الوقت، فإنه لا يجوز أيضا صدور تشريع تحت أي نوع من أنواع الضغط خاصة الضغط الجماهيري، الذي يقابله حرص بعض المشرعين على بناء شعبية على حساب مبررات صدور التشريع من عدمه، وعلى حساب مستوى اتقان الصياغات التشريعية، فليس أسوأ من تشريع يصدر تحت ضغط الشعبوية، إلا تشريعا يصدر استجابة لابتزاز تمارسه السلطات فيما بينها.

خلاصة القول في هذه القضية هي: أننا بحاجة إلى بيئة تشريعية ناضجة، تستجيب لحاجاتنا الحقيقية، متساوقة مع ثقافتنا وتطورنا الطبيعي، والأهم من ذلك أن يتمتع أهل التشريع بالعلم والمعرفة، فليس أخطر على المجتمع من أن يشرع له جاهل.

bilal.tall@yahoo.com