بداية هذا العام فجع الجميع بنبأ تفجير واحد من اكبر مطاعم تركيا ليلة احتفال «العالم كله» بليلة رأس السنة الجديدة، عائلات من مختلف دول العالم فقدت اشخاصا عزيزين جدا، ومنهم الاردن، وبتنا على رقعة مواقع التواصل الاجتماعي نختلف ان كان من قُتل يستحق الموت او لا، فتعالت خطابات الفتنة النتنة وازكمت رائحة التطرف الانوف ولم يتمكن الإعلام الحقيقي من السيطرة على نقل المعلومة وتوجيه الراي العام.

في كل جرح ارهابي يعبر فوق تراب هذا الوطن تخرج فئة ما من جحر ما تستهوى الصيد في الماء العكر، فتعكر قدر ما استطاعت صفو الاردنيين ، وتعمق جرحهم اكثر بكلمات الفتنة والكراهية والطائفية، وبدلا من الاتفاق ان القتل عمل اجرامي بحت، بتنا نختلف على تسمية ضحاياه ونوزع منازلهم بين الجنة والنار، وكأن في الارض من فوضه الله على ذلك.

الاردن من اطلق للعالم رسالات الوئام بين اتباع الاديان ومبادرات كثيرة تجمع الانسانية بلا تفريق، رغم انه قابع وسط اوطان مزقتها الطائفية ودمرتها الحروب، الاردن من عانى من غدر الارهاب اكثر من مرة ، فالعام الماضي لن ينسى ابدا فجرح الكرك سيبقى ونحن نودع ايامه الاربعين ومعاذنا لن يغادر الذاكرة ولا راشد، ولا شهداء اربد ومكتب مخابرات البقعة سيسلوهم الاردنيون ولا اي شهيد ترفرف روحه الطاهرة فوق غيم الوطن وتنظرعيناه ثراه، ولا عمان ستنسى جرحها عام 2005 ولاحتى وصفي الذي استشهد غدرا سوف ينسى، فمكان الجروح سيبقى يذكرنا بألم التطرف الذي اصاب انسانيتنا جميعا، ارهاب اعمى حصد ارواح ابناء الوطن الذين قضوا بيد ارهابيين متشحين بلفظ الجلالة، واسم الله منهم براء.

لنبتعد عن المجاملات...الاردن اليوم بات يحتاج لمواقف واضحة أكثر من حاجته لكلمات مصطفة ومنمقة ومنتقاة، وطننا اليوم يعاني من مرارة التطرف ذاتها حين يعلو خطاب الغلو فوق خطاب المحبة، لا نطالب بخطاب ديني ولا ساسي ولا اعلامي يدعو الى الوفاق، بل نطالب بخطاب انساني يدعو الى الوئام، رغم انه السباق الى فتح ذراعيه حبا ، الا انه ايضا يعاني اليوم من هوام الارض، الذين لن تستقر نفوس رعاعهم الا ان عكروا صفو قلوب الاردنيين.

ايام تفصلنا عن انطلاق اسبوع الوئام بين الاديان هذه المبادرة الهاشمية التي ارسى عمادها جلالة الملك عبد الله الثاني ووضعها جهارا كاول مبادرة عالمية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 من أيلول للعام وبعد أقل من شهر، وبالتحديد في 20 تشرين الأول للعام ذاته، تم تبنت المبادرة بالإجماع من قبل الأمم المتحدة، معلنين أسبوع الاول من شهر شباط من كل عام، أسبوع الوئام بين الأديان.

وعند ما طرحها على الملأ المبعوث الشخصي والمستشار الخاص لجلالة الملك صاحب السمو الملكي الامير غازي بن محمد قال في مستهل خطابه «بالنيابة عن المملكة الاردنية الهاشمية...» ولم يقل بالنيابة عن شخص أو مجموعة، بل حمل للعالم مبادرة اردنية بامتياز جاءت حينها من عمق وعي القيادة الهاشمية بإن التوتر الناشئ عن خطاب ديني أو تشويه سمعة الأديان أو حتى الإساءة إليها هو ذريعة واضحة لا لبس فيها لخلق نزاع عالمي لن تطفأ فتيل ناره ان استعرت.

في الوقت الذي ينبغي أن تكون الأديان فيه مرتكزا عظيما لتيسير وزرع خطابات السلام والوئام والمحبة، بدلا من نثر بذور الغلو والتطرف والتمييز، من هنا سيكون الدين جزءا كبيرا من حل الخلافات بتوليف قلوب اتباع الاديان، بدلا من جعل الاديان سبابا لاختلاق الازمات واشعال فتيل الحروب التي ان بدأت ستحرق الجميع على حد سواء، ولنا في الجوار امثلة كثيرة.

ومن وحي خطاب سموه تبين ان الحكمة الهاشمية انتقت كلمة «وئام» ولم تقل قبولاً ولا تسامحاً ولا غيرها من المصطلحات المتوفرة التي ستزرع - ان وجدت - خطابا يوحي الى ان طرفا ما في المعادلة هو طرف سلبي، بل حرصت على البحث عن المصطلح الذي يعمم مفهوم «السلام»، مرتكزة على حب الله ومحبة القريب، وهي مضمون للاديان كافة.

جاءت هذه المبادرة بشكل طوعي، فلو اجبرت الدول مؤسساتها او حتى رعايا على الاحتفال بهذه المناسبة لكانت سبب نفور داخلي لا سببا للالتقاء، وسيضرم هذا النفور النار يوما ما، الا ان هذه المبادرة الهاشمية العالمية جاءت لتجمع الجميع تحت مظلة انسانيتهم متشاركين الوئام الصادق الذي يزرع السلام، ومؤكدين حب الله القدوس الواحد ، ومحبة القريب والجار والشريك في الانسانية.

وما ان ينتهي اسبوع الوئام حتى يتوحد الاردنيون صفا واحدا لاحياء ذكرى الوفاء والبيعة فيؤكدون مجددا ان الارهاب مهما تغول فنحن سياج الوطن المنيع، كما كنا مع الحسين الباني فنحن مع عبد الله الثاني، جند اوفياء لوطن عظيم الوفاء، نعتز باخلاصنا لذكرى الحسين وبيعتنا لابي الحسين لتبقى راية هذا الوطن الاغلى خفاقة في سماء صافية لا يكدرها تطرف ولا غلو ولا عنصرية او تميز.

وفي ظل كل ما سبق فإن للاعلام دوراً قيادياً في حشد الناس سواء عن طريق وسائل الاعلام الحديث او عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي ولهم اليد في ادارة دفة قبول الجميع للجميع كوحدة واحدة موحدة وانسانية بالدرجة الاولى مهما اختلف اللون او الاصل او مكان الولادة او المستوى الاجتماعي او حتى الدين؛ فالمركب يسير بحسب من يدير الدفة، لهذا باتت المرحلة الحالية بحاجة الى اعلاميين حقيقيين ممن يقدسون اخلاق المهنة وميثاق شرفها، ممن ينتمون الى مدارس اعلام وسطية موزونة تنادي بخطاب الوئام الصادق وتضع مصلحة الوطن فوق مصالحهم الشخصية، فيديرون الدفة في المسار الصحيح الذي يوصل المركب بأمان الى وجهته الذي يصبو اليها.