نحن في ريب مما نسمع ومما نشاهد. ونحن في الجملة في غمة من امرنا, لا نكاد نتبين شيئاً على حقيقته ولا نملك أن نحكم في مسألة مما يقض مضاجعنا, ونكاد نبلغ درجة (اللا ادرية) الشاملة في كثير مما يتعلق بواقعنا ومستقبلنا.

وليست الحكومات اقل حيرة ازاء هذه الضبابية من الشعوب, ولا الجماعات السياسية او الحوزات المذهبية بأقل ذهولاً من الافراد, وكل في تيه بعيد يضربون.

وعلى أن هذا كله موئس وممض, الا اننا لا نعدم من يزعم القدرة على استيقان (أو كشف حقيقة) ما يحيطه الشك بالاسداد, وذلك عن طريق «استطلاعات» معجبة يضحك بها على الذقون, ويتوسل بها الرضى من هذه الجهة أو تلك دون أي درجة من الاحساس بالمسؤولية الاخلاقية فيزيد الطين بلة والظنون ابهاماً, والعقول تلدداً واضطراباً..

ثم ان الامر قد بلغ دركات وراء ذلك حتى صار بعضهم «يفصّل» الاستطلاعات تفصيلاً, ويقدّها على قياس من يطلبها, لا يختلف في ذلك استطلاع محلي ساذج عن آخر عالمي تتولى كبره مراكز معروفة في الشرق أو الغرب, ويشرف عليه اكاديميون وخبراء محترفون.

على أن مما يمكن ملاحظته أن مصممي اوراق الاستطلاعات العالمية وواضعي اسئلتها, وراسمي افق احتمالات الاجابة عليها, يجهدون – حتى في خداعهم للحكومات والشعوب – في أن يظل في عملهم اثارة من النزعة العلمية او مراعاة شيء من حقائق الاشياء.

اما في البلاد المتخلفة, فيكتفي مقلّدوهم باسقاط الطرائق نفسها على مجتمعات مختلفة. ويكررون الانماط التي يترجمونها على نحو مزر فتكون النتيجة مما يضحك ربات الحجال البواكي, ويكون للناس مزيد من الاغماض والتلبيس, ويكون للمنافقين المتملقين فرصتهم للافادة من كل ذلك, وعلى الحقيقة الضائعة بين اللاعبين سلام الله والناس اجمعين..

قد يقول قائل: إن هذا كله ليس عندنا ولا في بلادنا.

فنقول: هو كما نقول ولا ريب اننا مخطئون.