تشخَص الأبصار إلى تلك الساعة التي حلَّ فيها ملء الزمن، إلى بيت لحم، حيث انطلقت أسرار الخلاص وظهر نور العالم، هناك مريم العذراء أمة الرب الطاهرة المصطفاة على نساء العالمين، التي اختارها العلي جلت قدرته لكلمته، قرب شجرةٍ جوار وليدها في مذودٍ متواضع بسيط غير أنه حَفـِلَ بوليدِه وتسامى عن أي سرير صنعته أيدي أهل الفن على مدى التاريخ.

ومع شهقة الطفل الباكي والدموع تنحدر من عينيه، وكأنها صوت احتجاج على كبرياء الإنسان وظلمه لأخيه الإنسان، انتظمت جوقة من الملائكة فوق تلال بيت لحم حطمت سكون الليل منشدة «المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام»، وإذ بالغمام المتكاثف على الأفق يتلاشى وقد آذَن بفجر جديد مشرق للبشرية.

وما إن لاح نجمٌ اهتز له وجدان حاكِم الأنباط في البتراء، حتى أمر ثلاث أنفسٍ بمتابعته. فكانوا إذا ساروا سار معهم النجم، وإذا وقفوا وقف بوقوفهم، حتى إذا انتهَوا إلى الموضع فتحوا هداياهم وكانت صرَّة من لبانٍ وهو ضرب من البخور ينال دخانه السماء رمزاً لإكرامه ومكانته، وصرَّة من مُرٍّ يستخدم لجبر الكسور رمزاً للآلام المزمع أن يلاقيها في حياته، وصرَّة من تبر والتبرُ سيِّدُ المَتاع رمزاً لملكوته.

أما هيرودس ممثل «أوغسطس» قيصر روما في المنطقة، وأمير الربع على الجليل، فما أن تناهت إليه تلك الأخبار حتى قدر أن سراً يكمن وراء مجيء الطفل يسوع، وتوهَّم أنه قادم لحكم زمني، وهذا يعني أنه يشكل خطراً على الإمبراطورية الرومانية! واستئصالاً لمخاوفه أصدر أمره بقتل أطفال بيت لحم من ابن السنتين فما دون، فكان نوح وبكاء وعويل، لكن التدبير الإلهي أوحى لمريم البتول ويوسف البار بأن يغادرا بالطفل سراً إلى مصر هرباً من وجهه وتتسارع الأحداث ليعودوا بعد موت هيرودس إلى وطنهم.

وينشد سمعان الشيخ البار، الذي كوفئ على صومه وصلاته وخدمته لبيت الله ومذبحه، لما أطل عليه الوليد واكتحلت عينه برؤيته، نشيداً تفجر من أعماقه شاكراً الله على برِّه بعهده، وحرصه على إنجاز وعده قائلاً: «الآن أطلق يا رب عبدك بسلام وفقاُ لقولك، فقد رأت عيناي ما أعددته في سبيل الشعوب كلها نوراً يتجلى للأمم ومجداً لشعبك.»

لقد دشن السيد المسيح له المجد العهد الجديد على قاعدة المحبة، التي لا تحدها حدود العرق أو العقيدة أو الثقافة أو اللون. إنها محبة الآخر، محبة كل إنسان «أحسنوا إلى مبغضيكم وأحبوا أعداءكم ذلك إن أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم، أوَليْسَ العشارون يفعلون ذلك!» وأضاف في تعليمه أيضاً: «إن جاع عدوك فأطعمه وإن عطش فاسقه لأنك إن فعلت هذا تجمع نار جمر على رأسه» وأيضاً «افعلوا أنتم للناس كلّ ما تريدون أن يفعلوه بكم» كما أن إدانة الآخر والحكم عليه تشكل تعدياً على مقام الله القُدُسي « لا تدينوا لئلا تدانوا، أتهتم أن تخرج القذى من عين أخيك قبل أن تخرج الجذع الذي في عينك؟» وقد جاءت تعاليمه لتحرر الإنسان من قيود الحرف والطقوس «أريد رحمة لا ذبيحة» ولتجعل أيضاً الإنسان كاهناً لنفسه في هيكل حدُّه الآفاق وسقفه السماء :»ملكوت الله في داخلكم».

يا صاحب العيد، يا رئيس السلام، تُرى أيُدركُ عالم اليوم المضطرب الذي يعيش ويلات الانقسامات والاقتتال وتصفية الأبرياء والتشريد والكراهية والتعصب الأعمى، سمو وصاياك وجلالها وقوتها وقولك الخالد الذي يُحيي النفوس: «طوبى للرحماء فإنهم يرحمون وطوبى للساعين من أجل السلام فإنهم أبناء الله يدْعَون». فإياك نسأل أن تزرع الحكمة في عقول بني البشر، وأن تمنح عالمنا السلام، فتُرَدّ سهام الشرِّ التي طال أمَدُ تتطايرها من أعداء الحياة وخصوم السلام، فيهب الجميع هبَّة رَجُلٍ واحِدٍ لإنقاذه من التمزق والضياع. وأن يحل على شرقنا العربي النازف الاستقرار والطمأنينة والأمان. وان تحفظ وتَصُون هذا الأردن وقيادته الحكيمة وجيشه الباسل وأجهزته الأمنية الساهرة اليَقِظة الأبيَّة. هذا الأردن الذي باركته بعمادك في نهره المقدس، وسِرت على أرضه تشفي وتبارك وتُعلِّم . وكل عام وأردننا الحبيب بخير ومَنَعَةٍ، ورايتُه الهاشمية المِعطاءَة ظافرة خافقة خَفْقَ قلوبِ مُحبِّيها، وخَفْقَ كلِّ مُتفانٍ يعمل ويسهر من أجل رفعة الوطن ومَجده ومستقبل أجياله.

Hanna_salameh@yahoo.com