«اللون الاسود القاتم» بات لون الذكريات المحفورة في قلوب اهالي سوريا وذاكرة اطفالها، منظر مرتبط بخروج السوريين مرعوبين من بلادهم، لون ارتبط بالخوف والموت والتهجير، تماما كما أزكمت انوفهم برائحة البارود والدم وحتى كاد اللون الاحمر أن يصبح مخيفا ايضا.

لن اتحدث عن الزعتري أو غيره من مخيمات اللجوء المعروفة لكل المنظمات الدولية، ولا عما يحدث في سوريا على مسمع ومرأى العالم كله، ولن اتحدث عن اولئك الاثرياء الذين تضررت مصالحهم التجارية عند بداية الازمة السورية، بل ساتحدت عمن غابوا عن جداول المنظمات الأممية لاسباب لا اعلمها أنا ولا هم أيضا.

لم يخطر ببال الاطفال - تحديدا - ان تنقلب الموازين وتتغير المعاني، فملامح الارهاب الملثمة بالسواد وخيالات القتل وأطيافه ما زالت تلوح بافقهم رغم تهجيرهم عنه بمئات الكليومترات، لم يكن بالحسبان ان يصبح اللون الاحمر بعد ما عبروا به من ألم عنوانا لسانتاكلوز او بابا نويل حامل هدايا المحبة، انما بابا نويل الذي اسعد الاطفال هذه المرة لم يكن يرتدي الاحمر بل جاء متشحا بالسواد ، اتحدث تحديدا عن العائلات والاطفال الذين غادروا الغوطة الشرقية ليقطنوا اليوم في قرية صبحا وصبحية في محافظة المفرق.

معالم وجوه الاطفال كانت «مخطوفة الالوان» متلعثمين بصمت لحظة فتح غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث بطريرك الاردن وسائر اعمال فلسطين والاردن باب سيارته فخرج هذا الرجل الكبير ذو اللحية البيضاء مرتديا زيه الاسود المعتاد، تقترب خطاه فتتسارع دقات قلوب الاطفال، باتوا يربطون المشاهد المبعثرة في مخيلتهم تماما كلعبة «البازيل»، باتوا يملكون المشاهد كافة لكنهم لم يمتلكوا آلية تواترها.

قبل وصول غبطته بساعات كانت معلمتهم – مس جواهر وهي احدى الفتيات المهجرة معهم من سوريا- تخبرهم بأن ضيفا يحبهم ويحمل لهم هدايا جميلة وكثيرا من الشوكولاته والشيبس و»الاشياء الزاكية» سيصل خلال لحظات ويجب عليهم ان يقتربوا منه ليغنوا له كما علمتهم خلال الاشهر الماضية، الا ان ارباكهم عندما رأوا من هو الضيف جعلهم يقفون على بعد مسافة أمان ليبدأوا بالغناء كما كان الاتفاق مع المعلمة، ورويدا رويدا بدأت معالمهم تختلف فوجه الرجل الكبير المبتسم جعلهم لا اراديا يبادلونه الابتسامة، وبعد برهة قليلة كسروا حاجز الخوف، ليقتربوا ويأخذوا هداياهم، التي أعلن غبطته أنه يحملها لهم بمناسبة عيدي المولد النبوي الشريف والميلاد المجيد.

بات المشهد يتغير وبعد مضي نصف الساعة الاولى بدأت الصحراء تتلون من جديد، لعله يترك خلفه بصيص امل هذه المرة، الصحراء التي تكحلت صفرة رمالها بالحجارة البركانية فقط، لم يصلها سواد «اسفلت الشارع» بعد، كل مداخل الطرق الى حيث يمكث هؤلاء الاشقاء هي صحراوية بامتياز.

خلال ساعة تقريبا تغيرت معالم الوجوه كما تغيرت ألوان المنطقة، وبدا الاطفال بالركض يحملون ابتساماتهم وحلواهم الى خيمهم فرحين بهذا الضيف القادم من بعيد مسرورين بكل ماقدمه لهم من محبة وهدايا تاركا غبطته خلفه هذه المرة معنى جديدا ل»جبته» السوداء ولحيته البيضاء الطويلة، مغادرا اياهم وصلواته معهم، أملا لهم بعام جديد افضل حالا وان يعود لهم وطنهم بأي حال وهم قادرون ان يعيدوا له الحياة السعيدة من جديد