أبواب - وليد سليمان

منظر ضخم ومهيب وتاريخي لتلك الجسور العشرة العثمانية التي تم انشاؤها قبل 114 عاماً في منطقة وادي الرمم في شرق عمان، الذي يقع ما بين جبل المنارة وجبل التاج.

والتسمية الشعبية لهذا البناء الجسر العالي لمرور القطار من فوقه، والناس والمركبات من تحته، وهي تسمية خاطئة، ولكنها شائعة.. والحقيقة ما هو الا جسر واحد!!.

غير ان كلمة العشرة ترجع للأقواس العلوية العشرة التي تزين هذا الجسر الحجري العريق، وكان بالأحرى ان يُسمى بالجسر ذي الأقواس العشرة.

وهذا الجسر اصبح معلماً اثرياً ما زال صالحاً للاستعمال لمرور القطارات من فوقه حيث سكة الحديد التي تصل ما بين مركز الانطلاق من منطقة المحطة الى جنوب عمان وبالعكس.

والقطار الذي يلاحظه بعض الناس في تلك المناطق المحيطة بهذا الجسر، يلفت انتباههم انه ما زال في الاردن قطارات لها صفيرها ودخانها وشكلها الطويل بالقاطرات، فتدخل في نفس المشاهد السرور وبالذات الاطفال الذين يشاهدون القطار بشكل حي ومباشر، وهذا الجسر والذي تم بناؤه في العام 1902 قام على انشائه الاتراك العثمانيون عندما كانوا يحكمون البلاد العربية ومنها الأردن.

ويقال ان الخبرة الألمانية قد ساعدت الأتراك في بناء هذا الجسر وسكته الحديدية وبعمال عرب من بلدنا.

العاصمة وسكة الحديد

وفي العام 1920 جاء الأمير عبدالله الأول ابن الحسين المؤسس على رأس قوة عسكرية من المدينة المنورة الى معان بواسطة خط السكة الحديدي الحجازي هذا، ثم من معان الى عمان، وكان وجود محطة سكة الحديد في عمان سبباً من أسباب اختيار الأمير عبدالله ابن الحسين في ذلك الوقت لمدينة عمان عاصمة لامارة شرق الأردن.

وفي الحرب العالمية الاولى أصبحت السكة واسطة نقل مهمة للجنود الأتراك وللذخائر الى جبهات القتال، وذلك لتعزيز القوات المرابطة في الحجاز وعمان والسلط ووادي الأردن.

وقد لعب القطار في الاردن قديماً دوراً مهماً في نقل البضائع والركاب والحجاج، الا انه وفي المدة الأخيرة صار يؤدي دوراً خاصاً في نقل الفوسفات من مناطق انتاجه في الجنوب الى مراكز التصدير في منطقة العقبة، وبقي يقوم برحلات بسيطة ما بين محطات القطار في جنوب الاردن كرحلات سياحية جميلة.

ويقول المؤرخ المعروف سليمان الموسى: في اليوم السادس من آب سنة 1902 تم إنشاء سكة القطار بين دمشق وعمان، وبعد ذلك بسنة وصل الخط الى معان.

وقد بنى النفق بجوار عمان وجميع القناطر التي يمر عليها الخط مسافة خمسة كيلومترات متعهدون ايطاليون، وأماتت الكوليرا عام 1902 اكثر من 400 ممن كانوا يعملون في هذا الخط بالقرب من عمان.

ثم ان وجود الشراكسة قرب محطة سكة الحديد في عمان شجّع بعض أهالي السلط والقرى المجاورة لها كي يسكنوا في عمان، ويذكر أحد الذين زاروا عمان سنة 1912 ان سكانها بلغوا 1800 نسمة فقط.

في الحرب العالمية الأولى

وفي الحرب العالمية الأولى رأت القوات البريطانية وجوب تدمير النفق الذي بجوار محطة عمان من الجهة الجنوبية وقنطرتها الكبيرة فأرسلوا لتنفيذها الفرقة الهندية الستين وفرق الفرسان النيوزيلنديين والاستراليين ولواء الهجانة الامبراطوري ولواء المدفعية الجبلية ولواء من السيارات المصفحة ومدفعاً ضخماً.

وفي 27 آذار سنة 1918 وصل النيوزلنديون الى المحطة، كما اقترب لواء الهجانة من الغرب، وأطبق الاستراليون من الشمال ونسفوا قنطرة صغيرة هناك، وفي اليوم الثاني قدم من السلط لواء الفرقة الستين ومعه المدافع الجبلية، ووصل تقدمهم الى جبل عمان الشمالي.

وفي 29 آذار وصل المدد من الانجليز فساعدهم على دحر الجيش التركي، ولم يبقَ امامهم الا ان يدخلوا عمان.

لكنهم أيقنوا ان خسائرهم ستكون فادحة، اذا ثابروا على الهجوم، لذلك اضطروا أن يتقهقروا الى الضفة الغربية، وأخذوا يرقبون الفرص المناسبة.

وفي 22 أيلول سنة 1918 انهارت الجبهة التركية في لواء نابلس، ولحقهم الانجليز الى الغور وتسلقوا من الشونة ووادي شعيب، حتى احتلوا السلط، وفي ثاني يوم سقطت عمان بعد معركة حامية الوطيس.

واستولى الانجليز على المحطة وأسروا (600) جندي عثماني، وسيق الأسرى جميعهم الى عمان مع 23 مدفعاً رشاشاً، وبقي الجيش البريطاني في البلاد المحتلة حتى غادروها في كانون الأول عام 1919 عندما اعلنت شرقي الاردن جزءاً من سورية التي يحكمها الأمير فيصل بن الحسين، وقد اتخذت نجمتها السباعية التي ترمز الى خمس محافظات في سورية ومحافظتي البلقاء والكرك في شرقي الاردن.

المسافرون ومحطات القطار

وكاتب الذكريات في كتابه «محطة عمان» د. موفق خزنة كاتبي يذكر عن قطار عمان – معان وهو على الخط قبل الانطلاق بساعة انه في صباح يوم السبت مثلا تتجمع الاعداد الكثيرة من المسافرين والمودعين في الساحة الخلفية الساحة الداخلية للمحطة وذلك في اربعينيات القرن الماضي حيث يشترون تذاكر السفر وتسمى «البيليت» اذ لكل محطة مقصودة سعر خاص، ثم ينتقل المسافرون الى صالونات الركاب مع اغراضهم المسموحة وزنا، ويضعونها تحت المقاعد او على رفوف الغرف، اما بقية الاغراض اذا كانت بكمية كبيرة او حجم كبير فانهم يضعونها في «السيرفيس» تلقاء اجور معينة وختم معين واشارة على كل حمل كما في الطائرات ويكون الجو العام في المحطة – محطة عمان – كله حيوية وحركة ونشاط خلال الساعة الاولى التي تسبق انطلاق القطار.

وقبل الموعد المحدد يضرب جرس المحطة ثلاث ضربات ليذهب المسافرون الذين ما زالوا على الرصيف الى غرفهم في القطار. ثم يضرب الجرس ضربتين لينزل المودعون من القطار، ثم يضرب الجرس ضربة واحدة، وهذا يعني انه يجب اغلاق الابواب ومنع الصعود والهبوط الا للضرورة القصوى.

وقبل ذلك يعطي مأمور المحطة اذن الحركة الى مأمور القطار، وهذا يعني ان الخط من عمان الى محطة القصر في ام الحيران سالك تماما ولا يوجد قطار او ترولي او عربة عمال في الطريق.

ثم يعطي مأمور القطار الاشارة الخضراء، وهي في النهار علم اخضر يمده من موقعه في السيرفيس، اما في الليل فيكون لونه اخضرا في «فنارة» وبعد الاشارة يرجع القطار الى الخلف مسافة نصف كيلومتر تقريبا، ويقف بانتظار اشارة ثانية مع صافرة طويلة من مأمور القطار.

وهذا كان يعني ان «عبدالله المعاني» قد اغلق «المقصين» على تقاطع السكة مع الشارع فينطلق القطار بتسارع شديد ويسير في الانحناء والصعود التدريجي حتى يجتاز الطريق الجبلي المستوى، حيث يُرى القطار بوضوح من شارع المحطة.

ثم يستمر في سيره في السهول والانحناءات يجتاز خلالها النفق الوحيد في نهاية وادي الرمم، وهو النفق الوحيد في الخطين الحجازي والسوري، اما خط درعا – حيفا فيوجد به سبعة انفاق،، وعدد من الجسور الضخمة على نهر اليرموك قبل الوصول الى محطة سمخ على بحيرة طبريا. وكان اول عمل قام به اليهود سنة 1948 ان نسفوا الجسر الرئيسي قبل محطة الحمة، فانقطع الاتصال بين سوريا وفلسطين.

هذا ويسير قطارنا الى محطة القصر، ولهذه المحطة اهمية اثناء العودة من معان الى عمان، فيجب ان يقف القطار ليأخذ اذن حركة.

حادثة لطيفة ذات مغزى

وبهذا الاسلوب من التقيد بالتعليمات الشديدة لم يحدث اي تصادم بين القطارات والسيارات، ولم يدهس اي انسان خلال مدة عشر سنوات 1941 - 1949.

وقد حصلت في يوم من الايام حادثة لطيفة ذات مغزى يرويها د.موفق قائلا: وصلت سيارة الامير عبدالله الاول والمقص مغلق بانتظار دخول القطار الآتي من معان الى محطة عمان، ولم يكن الامير في ذلك الزمن يسير بموكب رسمي الا في الاحتفالات، فكان موكبه سيارة وعليها العلم الملكي الخاص وسائق وضابط يجلس بجانب السائق، عندها نزل الضابط وامر «المعاني» ان يفتح الطريق للامير، لكن المأمور المعاني رفض وتشاجر مع الضابط وتركه وذهب الى سيارة الامير وحيّاه قائلا: نحن يا مولاي احرص على حياتك من الضابط الذي معك، فانت مولانا وسيدنا واميرنا، وحياتك اغلى من حياتنا، فما كان من الامير عبدالله الاول إلا ان ابتسم وشكر ذلك الموظف قائلا: «لا تفتح الباب عندما يكون مغلقا لاحد، ولو كنت انا الامير عبدالله بن الحسين»، ويقال انه انعم عليه.. وصارت اشبه بقانون اذا كلما اتى مسؤول يطلب منه فتح المقص يقول له: لست احسن من امير البلاد اذ اعطاني تعليماته بان لا افتح المقص إلا بعد مرور القطار.

قطار عمان - معان

ويستمر القطار في سيره متجها الى مدينة معان مارا بالجيزة ثم اللبن ثم ضبعة ثم سواقة الى ان يصل الى محطة القطرانة، حيث كانت تلك المناطق تصدر القمح فيترك القطار بعض قاطراته لتحميلها للتصدير، اذا كان القطار خاصا للشحن. ومن القطرانة يسير شارع ترابي الى مدينة الكرك، وقد يكون الوسيلة الامينة الوحيدة للوصول الى الكرك، واصبح ذلك الطريق بعد تعبيده في نهاية القرن الماضي الوسيلة الاكثر استعمالا للوصول الى الكرك هربا من وادي الموجب.

وفي القطرانة بركة ماء رومانية واسعة جدا تمتلئ في الشتاء من السيول القادمة من مئات الكيلومترات، ومن هذه البركة يمتد خط مواسير يصل الى خزان ماء في المحطة بواسطة مضخة ضخمة تأخذ منه القاطرة حاجتها من الماء.

كذلك يستسقي من البركة كل البدو الموجودون والقادمون بإبلهم واغنامهم ودوابهم ويكفي ان تقف على حافة البركة لترى مشهدا يعيدك الى مئات السنين الى اعماق التاريخ.

ولما كانت محطة القطرانة محطة متوسطة ليس فيها مدارس ولا اسواق، فان كل مأمور محطة كان يُعين فيها يسعى الى ان ينتقل الى عمان او معان وبقي هذا حالهم حتى الثمانينات من القرن الماضي.

حجر منحوت

ومن اشهر من كان فيها في الاربعينيات «جويدان الجمل» الذي انتقل بعدها الى معان، فكان حاتم الطائي في تلك المحطة الحديدية المعروف بكرم ضيافته في القطرانة وفي معان، وقد ورث ابنه الدكتور محمد وهو من اشهر اطباء الجلد في الاردن، خاصة الكرم، وسار على نهج ابيه عندما كان في الخليج وعندما عاد واستقر في عمان.

وقد لاحظ د.موفق خزنة كاتبي عندما زاره في منزله بمنطقة مرج الحمام قبل سنوات وجود حجر منحوت كحجارة السكة مكتوب عليه «معان» كما كان يُشار الى كل محطة على طريق الخط الحديدي الحجازي بحجر مكتوب عليه اسم المحطة مثبتا في واجهة المبنى الرئيسي في المحطة.