عمان - ناجح حسن

حفل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي انهى مؤخرا فعاليات دورته الثامنة والثلاثين، بالعديد من النتاجات الجديدة في السينما العربية، التي تنجز وتصور داخل وخارج البلدان العربية بجهود طاقات شابة ومتمرسة، اولى البعض اشتغالاتهم اهتماما حقيقيا باللغة السينمائية، في حين ظل البعض الآخر اسير نظرة تقليدية تنجذب الى ظاهرة النجم في منأى عن فلسفة مغزى صناعة الفيلم ووظيفته في المجتمع.

اثار الفيلم الجزائري «حكايات قريتي» للمخرج كريم طرايدية المقيم في اوروبا الذي جرى عرضه بالمسابقة الرسمية الدولية للمهرجان، الجدل خاصة وانه عمل يتتبع جوانب من سيرة مخرجه في وطنه الأم ابان حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الجزائر.

تتمحور قصة الفيلم حول الفتى بشير الذي يقطن مع عائلته في احدى القرى الجزائرية البسيطة، خلال فترة تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي فالعائلة تخلى عنها الوالد وظل مع إخوته إلى جانب أمه وجدته من أمه وخاله المريض المقعد، جميعهم لديهم معاناة الفقر، فلا تجد الأم مصدرا لإعالتهم سوى غسل ثياب جنود الاستعمار الفرنسي في الثكنة الموجودة بالقرب من القرية.

والفيلم الذي وضع له مخرجه نهاية جاء وقعها اشبه بالصدمة، وذلك عندما صور ان حياة العائلة عقب استقلال الجزائر انهكها التعب والحيرة والتساؤل عن الثمن الباهض الذي بذله الناس من اجل الانعتاق والتحرر من قيود المستعمر.

آثر المخرج طرايدية ان ينأى عن توظيف الموسيقى ضمن مفردات اللغة السينمائية التي يحفل بها الفيلم، إلا في عدد ضئيل من المواقف التي تتصاعد فيها الاحاسيس والمشاعر المتباينة، لحظة رؤية سكان القرية لوالدة الفتى وهي تؤدي عملها، والى جوارها ابنها الذي يسخر منه زملائه بالمدرسة ايضا وهو يحمل ثياب الجنود، كما يحلم بأن يكون ابن شهيد، حلم يخلصه من والده ويرفع الغبن عنه وعن عائلته، لأن أبناء الشهداء سيستفيدون من كل شيء بعد الاستقلال.

سحر الشرق

على نحو آخر حضر الفيلم الجزائري المعنون «حزام» للمخرج حميد بن عمرة، الذي يتأرجح على حدود الروائية والتسجيلية في اتكاء على توظيف متين للقطات تغرف سرديتها المشهدية من مزيج من الكلاسيكية والحداثة على نحو يكتسي شاعرية وابعاد فلسفية قوامها شخصيات من ابرز القامات الابداعية في السينما – هناك حضور لافت للمخرج السوري محمد ملص- حيث موضوع الجسد وتكويناته في لحظات من الرقص الشرقي تطغى على الاحداث المفعمة باجواء من الموسيقى ذات النغمات الصوفية.

كل ذلك من خلال تركيز كاميرا المخرج على مدرسة لتعليم الرقص الشرقي في فرنسا دون ان تغفل عين الكاميرا تلك الهواجس الراغبة في التقاط كل ركن وزاوية من الفضاء المكاني المدعمة بلقطات من مواد فيلمية وصور فوتوغرافية.

يبدع المخرج بن عمرة الآتي لعالم السينما من دراسة الفلسفة والتاريخ والسينما، في توظيفها على نحو جمالي وانساني لافتين، على غرار ما كان يقدمه بافلامه السابقة وعلى وجه الخصوص فيلمه التسجيلي الطويل المعنون «هواجس الممثل المنفرد بنفسه».

يبدو «حزام» وكأنه يقدم موضوعاته الكبيرة بامكانيات تمويلية بسيطة الا انه يمضي في عالم رحب ينهض على تأريخ لسيرة صاحبة مدرسة الرقص الشرقي اقامتها امرأة جزائرية في باريس حيث بان المكان اشبه بملتقى لثقافات انسانية متباينة لرغبة في تعلم ومعانقة هذا الصنف من سحر الشرق.

لكن هاجس بن عمرة يظل الحرص على تقديم صورة مزنرة بتراكيب من مفردات اللغة السينمائية واطياف الجماليات وطروحاتها الشاعرية المتدفقة من تلافيف ذلك الركن القصي والمنسي في فضاءات الشرق وما يفيض به من تلاوين الغناء والسينما والموسيقى والرسومات التشكيلية الاتية من بطون الزمان ودلالاته التاريخية والفلسفية.

من الواضح ان المخرج بن عمرة نجح من خلال هذه السرديات المشهدية في تقديم صورة بديعة لتمازج حضاري حضرت فيه رؤى جريئة لواقع اجتماعي تخطى تلك التقاليد والصراعات واسئلة الرجل والمرأة والشرق والغرب في مونتاج فطن تتقاطع فيه الافكار والصور وما تضمره من دلالات بليغة تؤشر على نبض دواخل الفرد في واقع صعب.

ويتغلغل الفيلم السعودي «بركة يقابل بركة» بالذي عرض ضمن آفاق السينما العربية بالمهرجان، في مجتمع محافظ يضع الكثير من القيود على العلاقات الانسانية، برع مخرجه محمود الصباغ في تصويرها بقالب من المواقف الكوميدية اللافتة التي احتفى بها الكثير من النقاد والحضور، نظرا لقدرته في محاكاة موضوعات بيئته المحلية بافتتان جمالي ودرامي ممتع شديد الجاذبية فالفيلم يتكيء على ابداع مخرج متمرس في السينما الوثائقية ويمتلك موهبة سمعية بصرية اسعفتها دراسته لفنون السينما بالولايات المتحدة الاميركية وهو ما قاده الى انجاز عمله الروائي الطيل الاول بثقة وأمل في رفد وطنه بواحد من الافلام السينمائية الجريئة التي ستضع بصمة خاصة على خريطة هذا الحقل الفني داخل بلده.

حميمية النقد

يناقش «بركة يقابل بركة» بحميمية ودفء طموحات وهموم النشء الجديد في وطنه في الارتقاء والتغيير بما ينسجم مع بيئتهم وثقافتهم، بعيدا عن السلوكيات والقواعد السائدة التي تحد من اندفاعهم في الحياة المعاصرة، فهو من خلال شخصية الشاب البسيط بركة الموظف في بلدية جدة وعلاقته مع فتاة ثرية، يكشف الفيلم عن المزيد من نماذج السلوكيات المعيقة لفئة الشباب في حراكهم اليومي، وهو ما يضطر هذه الفئة الى قيامهم بابتكار اساليب مضادة للتحايل على ضوابط المجتمع.

يزخر الفيلم بالدعابة السوداء اللطيفة بغرض ايجاد نافذة يطل منها الجيل الجديد على التغييرات السريعة بالعالم وذلك شرط ان لا يفقد صلته بموروثه، وكل ذلك جرى تصويره بسردية مشهدية تعي اهمية الصورة والأداء التمثيلي لسائر افراد الفيلم.

ومن لبنان حضر الفيلم التسجيلي المعنون «امبراطور النمسا» لمخرجه سليم مراد الذي يتناول فيه مكونات افراد عائلته في مسعى للبحث عن سلالة اسلافه وأقاربه المنسيين، في لحظة تنهض على البوح.

وقدم المخرج التونسي علاء الدين سليم بفيلمه المعنون «آخر واحد فينا»، معالجة جريئة تدور حول الهجرة لشاب من جنوب الصحراء وجد نفسه وحيدًا فى تونس وهو يبحث عن محاولة للعبور الى شمال افريقيا ليهرب إلى اوروبا بعد وقوعه ضحية سطو، فيقرر عبور البحر بنفسه إلى اوروبا، بعد ان يقوم بسرقة قارب صغير ليبدأ فى مهمة هجرته المحفوفة بالمخاطر.

ومن بين ابرز الافلام العربية الحديثة الانتاج التي عرضت داخل مسابقة افاق عربية الفيلم السوري «حرائق» لمخرجه محمد العزيز الذي يعاين فيه انعكاسات الازمة التي تعصف بوطنه على مجموعة من النساء في اكثر من بيئة ومنطقة دون ان يغفل تصوير جحيم القتال الذي ما زال يدور هناك.

يختصر الفيلم حكايات قصص أربع نساء من شرائح اجتماعية مختلفة يجدن الحرب أتت على ابسط اختياراتهن في الحياة، نجح فيه عبدالعزيز باقتدار في توظيف تقنية المونتاج المتوازي للربط بين قصص بطلاته الأربع ليعزز الشعور بالتصاعد الدرامي للأحداث قبل أن تتقاطع طرق الشخصيات في مكان وزمان واحد، هناك المرأة التي تعمل مع والدتها في مزرعة دواجن والتي تحب ابن خالها، بينما تريد أمها أن تزوّجها برجل ثري يكبرها كثيراً في السن، وهناك ايضا خولة التي تدخلها أمها السجن لتحميها من بطش أخيها، وهناك الفتاة الممرضة التي تنتمي لأسرة ميسورة الحال وهي تخوض معركة صعبة بعد ان حملت بشكل غير شرعي، وهناك المرأة التي يريد احد اطراف الحرب تسخيرها في القتال الى جانبه.

وقدم المخرج صاحب الفيلمين الروائيين: «الرابعة بتوقيت الفردوس» و»دمشق مع حبي»، مشهديات بصرية واسعة لمناطق حقيقية شاهدة على مخلفات الحرب في توكيد على المصائر القاتمة لبطلاته في تركيز على الجانب الإنساني في أتون الحرب التي تبدو اشبه بالخلفية التي تلقي بظلاها على سائر الاحداث بالفيلم.

حمام شعبي

على خلاف الدورات الفائتة حفلت دورة المهرجان هذا العام بالعديد من الأفلام التي توزعت على اقسام وبرامج متنوعة من بينها فيلم الافتتاح «يوم للستات» للمخرجة كاملة أبو ذكري، وهو عمل يتكئ على مزيج من المواقف الكوميدية والميلودراما حيث ينهض موضوعه على تخصيص يوم للستات في استخدام حمام شعبي داخل بلدة بسيطة، وهناك فيلم «البر الثاني» للمخرج علي إدريس الذي حاكى موضوعا حيويا في المجتمع المصري يتعلق برغبة الشباب المصري في الهجرة غير الشرعية عبر البحر الابيض المتوسط، كما اشتمل قسم آفاق السينما بالمهرجان على فيلم «لحظات انتحارية» للمخرجة إيمان النجار في أول أفلامها الروائية الطويلة، بينما تضمن قسم البانوراما على فيلمين تسجيليين هما: «إحنا مصريين أرمن» للمخرج وحيد صبحي حول تاريخ الطائفة الأرمنية في مصر، وفيلم «هامش في تاريخ الباليه» للمخرج هشام عبد الخالق عن أول جيل من راقصات الباليه المصريات.

وجرى في دورة هذا العام استحداث قسم بانوراما للسينما المصرية الجديدة، عرضت فيه ثمانية أفلام من أبرز نتاجات العامين الاخيرين التي لاقت تقييمات ايجابية من طرف النقاد لدى عرضها في مهرجانات السينما العالمية.