د. عيسى أيوب أبودية

يحتفل العالم غداً باليوم العالمي للأيدز.. لقد أيقن العالَم عام 1981 أن مرضاً فيروسيّاً جديداً يُسبِّب الإيدز قد سَجَّلَ اسمه بالبنط العريض على لائحة الأمراض المناعية التي لا علاج لها. ومنذ ذلك التاريخ حتى آخر الإحصائيات المتوفرة شهدت البشرية ما يزيد عن 70 مليون إصابة، توفِّيَ نصفهم بمرض نقص المناعة المكتسبة.

وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية أنه ولغاية نهاية عام 2015، يعيش نحو 36.7 مليون شخص حاملاً للفيروس المسبب للمرض في حين توفّيَ في عام 2015 وحده ما يقارب 1.1 مليون شخص بسبب الإصابة بالإيدز.

تتفاوت نسب الإصابة بالمرض اعتماداً على المنطقة الجغرافية، حيث توجد أعلى نسب للإصابة في جنوب القارة الإفريقية، إذ تصل نسب الإصابة في تلك البلدان إلى شخص واحد لكل 25 نسمة، وهي نسبة مرتفعة جداً إذا ما قورنت بنسب الإصابة في العالم العربي أو أستراليا أو حتى القارتين الأمريكيتين.

ما هو نقص المناعة المكتسبة؟

يتسبّب بمرض الإيدز فيروس يدعى بفيروس «نقص المناعة المكتسبة» المعروف بالإنجليزية بـ (HIV). وينتقل المرض بطرق متعددة أهمها: الاتصال الجنسي مع شخص مُصاب دون استخدام واقٍ أواستخدام حُقَن مُلوَّثة بالفيروس. كما يمكن للفيروس أن ينتقل من الأم الحامل لطفلها.

قديماً، قبل اعتماد برامج عالمية صارمة لفحص وحدات دم المتبرعين، كانت قد سُجِّلت العديد من حالات العدوى بالفيروس نتيجة أخذ المرضى لوحدات من الدم تبرع بها مصابون بالمرض عن غير دراية.

وحال دخول الفيروس إلى دم المريض أو أغشيته المخاطية، يقوم بالالتصاق ببعض أنواع خلايا المناعة في الجسم والتسلل إلى داخلها. وعندها يكون من أهم ضحايا فيروس نقص المناعة المكتسبة الخلايا التّائية المساعِدة. وعند دخول الفيروس إلى هذه الخلايا، فإنه يقوم بتحويل مادته الوراثية من RNA إلى DNA باستخدام انزيمات يمتلكها الفيروس. ثم تتابع المادة الوراثية للفيروس مشوارها إلى داخل نواة الخلية فتزرع نفسها داخل مادتنا الوراثية الموجودة هناك. وبهذا تبدأ خلايا المناعة المصابة –من دون علم- بتصنيع مكونات الفيروس بناء على الشيفرة الوراثية للفيروس التي تم دمجها مع المادة الوراثية الخاصة بالإنسان المُصاب. وهنا تتجه خلايا المناعة مسرعة صوب حتفها منتجة أدوات فنائها، إذ تُسهم في تصنيع الفيروس الذي لا يلبث أن يدمر الخلايا التائية المساعدة التي يَسكنها ويَخرج منها لمهاجمة خلايا تائية جديدة، وهكذا دواليك.

الإعراض

يعاني 80% من المصابين الجدد بالفيروس من أعراض شبيهة بالزُّكام بعد حوالي أسبوعين إلى ستة أسابيع من العدوى، وغالباً ما تستمر هذه الأعراض -كارتفاع درجة حرارة الجسم وألم في الحلق وإرهاق وأوجاع عضلية أو مفصلية- من أسبوع إلى أسبوعين تتلاشى بعدها هذه الأعراض ولا يشعر المريض بعدها بأي أعراض أخرى تُذكر لفترة طويلة قد تصل إلى بضع سنوات.

وخلال تلك السنوات الصامتة الرهيبة من حياة الفيروس، يعيث الفيروس فساداً في أداء جهاز المناعة من خلال قتله للخلايا التائية المساعدة والتي تتمتع بدور مركزي في تنشيط كثير من مكونات جهاز المناعة. وعندما تهبط أعداد الخلايا التائية المساعدة كثيراً لتصبح غير قادرة على القيام بعملها في دعم جهاز المناعة للسيطرة على الفيروس على نحو فعّال، يدخل المريض في مرحلة نقص المناعة المكتسبة المعروفة بالإيدز. ومن أعراض هذه المرحلة ما يلي:

1-فقدان الوزن

2-إسهال مزمن

3-تَعَرُّق ليلي

4-مشكلات جلدية متنوعة كوجود جفاف واحتقان وحكّة، إضافة إلى أنواع متنوعة من الالتهابات وبعض أنواع السرطانات النادرة الحدوث والتي تتمظهر على الجلد.

5-أمراض والتهابات متكررة في أعضاء مختلفة من الجسم، خصوصاً تلك التي تسببها كائنات بكتيرية وفطرية وطفيلية تكون في العادة غير ممرضة للأشخاص الذين يتمتعون بجهاز مناعة طبيعي.

الوقاية والمتابعة

لهذا فإن الفحص المخبري لفيروس نقص المناعة المكتسبة أمر مهم للغاية، إذ أن الكشف المُبكِّر عن المرض وتلقي العلاج المناسب يحول دون الوصول إلى مرحلة الأمراض المتكررة التي قد تودي بحياة المريض. والفحص الأكثر شيوعاً يُجرى في العادة على عينة من الدم ويبحث عن وجود مكونات من فيروس نقص المناعة المكتسبة وكذلك عن وجود أجسام مضادة كوَّنها الجسم ضد هذا الفيروس. وغالباً ما يتمكن هذا النوع من الفحوصات من الكشف عن وجود المرض بعد حوالي شهر واحد من حدوث الإصابة، إلا أن بعض الحالات الأقل شيوعاً تستلزم مرور حوالي ثلاثة أشهر من تاريخ الإصابة كي تتمكن تلك الفحوصات من الكشف عن وجود المرض فيها.

وفي حال الاشتباه القوي بالإصابة، تتوفر فحوصات مخبرية مختلفة تتمكن من قياس المادة الوراثية للفيروس مباشرة في عينة الدم. ويتمتع هذا النوع من الفحوصات بالقدرة على تشخيص المرض بعد فترة قصيرة من زمن العدوى، وتتراوح النافذة التشخيصية لمثل هذه الفحوصات ما بين ثلاثة أيام إلى ثلاثين يوماً من تاريخ الإصابة.

أما علاجياً، فقد حقق العلم تطوراً كبيراًعلى هذا الصعيد، إذ تحتوي أدوية الإيدز اليوم على خليط من العقاقير التي بإمكانها التأثير على فعالية الفيروس من خلال تعطيلها لمراحل متعددة من دورة حياة الفيروس. ولكن على المريض أخذ هذه العلاجات يومياً وطيلة حياته كي يتمكن من قمع تكاثر الفيروس بشكل فعّال والسماح لجهاز المناعة بإعادة بناء نفسه من جديد للدفاع عن المريض من مسببات الأمراض المتنوعة. وعلى الرغم من فعالية هذه الأدوية في السيطرة على المرض، إلا أن كلفتها العالية وضرورة أخذها مدى الحياة تحول دون قدرة الكثيرين من المرضى ذوي الدخل المحدود من تلقي العلاج المناسب، فيذهبون ضحية الأمراض الانتهازية المتنوعة التي تصيبهم من دون مقاومة تُذكر جراء ضعف جهاز مناعتهم.

من الجدير بالذكر أن علاج الحوامل المصابات بمرض نقص المناعة المكتسبة مهم جداً لمنع انتقال الفيروس إلى المولود الجديد. وتشير الإحصاءات إلى أنه وفي حال عدم تلقي المرأة الحامل للعلاج المناسب، تكون نسبة احتمال إصابة المولود بالفيروس حوالي 25%، أي إصابة واحدة من كل أربع حالات. ويمكن أن تحدث الإصابة خلال فترة الحمل أو الولادة أو الرضاعة الطبيعية.

للأسف، فإن المحاولات المتكررة في إيجاد علاج نهائي لمرض الإيدز أو لابتكار لقاح واق من الفيروس المسبب له قد باءت جميعها بالفشل. ومن أهم أسباب فشل هذه الجهود المضنية هي القدرة العالية للفيروس على إحداث طفرات (Mutations) في مادته الوراثية تُغيِّر من شكله وخصائصه بشكل مستمر الأمر الذي يجعل من مهمة جهاز المناعة في تعقبه والقضاء عليه صعبة للغاية. أما تعثُّر جهود ابتكار لقاح لفيروس نقص المناعة المكتسبة، فتُعزى من ناحية لسرعة تحوّر شكل الفيروس وخصائصه بسبب ارتفاع نسبة حدوث الطفرات الوراثية، ولكنها من ناحية أُخرى تعود للتخوّف الشديد من استخدام فيروسات ضعيفة في عملية التطعيم -كما جرت العادة في مطاعيم ناجحة لأمراض أخرى - خوفاً من تحوّر الفيروس داخل أجسام البشر واستعادته القدرة على إصابتهم بالمرض مما يمكن أن يشكل كارثة حقيقية.

ختاماً، يبقى الحل الجذري الوحيد المتوفر لمرض الإيدز اليوم هو الوقاية من المرض، ويتم ذلك من خلال الامتناع عن الاتصال الحميم بالأشخاص الذين يُشكُّ باحتمال إصابتهم بالمرض واستخدام الواقي الطبي. كما ينبغي تجنب التعرض للوخز بأي حُقن نشك في أنها غير معقمة تفادياً لخطر الإصابة. والأمل، كل الأمل، في ضوء تقدم الأبحاث والفحوصات المختصة وزيادة الوعي العلمي، أن نجد أنفسنا يوماً ما قادرين على التغلب على هذا الفيروس العنيد من خلال إيجاد وسائل لعلاجه أو الوقاية منه.