د. أحمد خليف العفيف*

منذ بداية تسلم الملك عبد الله الثاني عرش المملكة الأردنية الهاشمية، أطلق مجموعة من المبادرات الملكية للحفاظ على أمن الأردن وتحقيق استقراره وتعزيز سيادته الوطنية، وشكلت هذه المبادرات بمجملها خطة وإستراتيجية وطنية شاملة نابعة من عقلية الملك عميقة الفهم والإدراك لطبيعة ظروف المنطقة التي تتسم بالتعقيد، وجسدت في الوقت نفسه، قدرة جلالته على استشراف آفاق المستقبل بكل أبعاده ومتطلباته واحتياجاته.

ومن ضمن هذه المبادرات الأوراق النقاشية الست، التي بدأ بإطلاقها منذ عام 2012م، مشتملة على جملة من المضامين شكلت خارطة طريق يستهدي بها الشعب، (أفراداً ومؤسسات)، وتسترشد بها الحكومة في كافة فعالياتها، كما أنها شكلت مرتكزاً يؤسس لمرحلة جديدة من التنمية والإصلاح وفق أسس ومعايير موضوعية مدروسة، وقيمت بالوقت نفسه مسيرة التطور من حيث حجم الإنجازات المتحققة وتحديد مواطن الخلل والتحديات التي تعترض المسيرة الأردنية وسبل التغلب عليها.

والدارس لهذه الأوراق يجد أن جلالة الملك استند ابتداءً في عرض رؤيته الإصلاحية التنموية للدولة الأردنية إلى منهج عقلاني مستنير يقوم على أساس الفهم الشمولي العميق لكل المعطيات والتحديات القائمة على المستويات كافة، متبعاً سبيل التحرك التدريجي العقلاني المحسوب الخطوات، المؤمن بمبدأ إحداث التغيير الإيجابي المطلوب من خلال عملية التنمية والتطوير، وليس الفوضى والتثوير.

وهذا ما يتضح من خلال تحليل مضامين الأوراق النقاشية الست، ففي الورقة النقاشية الأولى التي جاءت بعنوان "مسيرتنا الديمقراطية المتجددة"، والثانية بعنوان: "نظامنا الديمقراطي في خدمة المجتمع" اعتبر الملك أن أهم متطلبات عملية التنمية السياسية الشاملة تتمثل بالإصلاح الديمقراطي، مقدماً في سبيل تحقيق ذلك رؤية عصرية تقوم على أساس أن الديمقراطية بمعانيها المتعددة ليست غاية بذاتها، بل هي طريقة حياة ووسيلة لتحقيق الصالح العام مادتها الشعب وغايتها خدمته، وأن النجاح في تطبيقها لا يقف عند نقطة معينة، بل هي عملية حية متطورة يجب أن تكون مواكبة لتطورات العصر بشكل دائم.

وتكون المجتمع الديمقراطي وفقاً للرؤية الملكية، يتطلب سلسلة من التجارب المتراكمة التي تكون نتاجاً لجهود مشتركة، تسعى على الدوام لتطوير النهج الذي يحكم كافة علاقات الدولة ومكوناتها، على أن يستند في المقام الأول إلى مبادئ المواطنة الحقة المبنية على الاحترام المتبادل والحوار البناء وواجب المساءلة الذي يوصل بالنتيجة إلى الحلول التوافقية التي تعد مطلباً أساسياً لتجذير النهج الديمقراطي كأسلوب ونهج حياة ينظم شؤون الدولة والمجتمع على حدٍ سواء.

وكون الأردن يعد نموذجاً للملكيات الدستورية ويمتلك نهجاً ديمقراطياً متطوراً، تشكل عبر مسيرته التاريخية منذ بداية تأسيس الدولة مثل بقية دول العالم المتطورة، فإن الخطوة التالية في طريق هذا التطور هي الوصول إلى مرحلة الحكومات البرلمانية التي تُشكل على أساس حزبي وهذا الأمر لن يتحقق وفقاً للرؤية الملكية إلا من خلال عدة دورات برلمانية قادمة، ويرتبط بالوقت نفسه بمدى النجاح في إيجاد أحزاب سياسية تمتلك برامج تؤهلها لتحمل مسؤولية الحكومة.

وتبدأ الخطوة الأولى في الوصول إلى هذه المرحلة وفقاً للرؤية الملكية بالمشاركة الفاعلة لكافة القوى المكونة للدولة والمجتمع في الحياة السياسية من خلال تمسك الجميع بالقيم والممارسات الضرورية لترسيخ الثقافة الديمقراطية في واقع بناء الدولة والمجتمع، ممثلة بقيم التسامح والاعتدال ولاحترام المتبادل والأخذ بمبدأ الحوار وتحويل الاختلاف إلى حلول توافقية.

ومن منطلق الفهم الشمولي العميق لجلالة الملك لمتطلبات الإصلاح الديمقراطي الذي يعد أساس التنمية السياسية السليمة، اعتبر المشاركة الفاعلة للمواطن الأردني في الحياة السياسية سواءً كان ذلك عن طريق الترشيح والانتخابات البرلمانية أو الانضمام للأحزاب، الركيزة الأساسية ونقطة الفصل في تطوير النموذج الديمقراطي الأردني وإيصاله إلى مرحلة الحكومات البرلمانية.

ولتحقيق هذه الغاية تفرض الضرورة أولاً تجذير مجموعة من المبادئ في سلوك المواطنين على أن تبقى حالة مستمرة في الحياة اليومية وسمة مميزة لثقافة المجتمع وأساساً محركاً للسلوك الاجتماعي على كافة المستويات، وتتمثل هذه المبادئ بما يلي:

1. احترام الرأي الآخر والإيمان بأن جميع الأردنيين أخوة متساوون، ورفض كافة الاعتبارات التي من شأنها تقسيم المجتمع إلى جماعات متنافرة.

2. الانتخاب على أساس الكفاءة والمقدرة والبرامج وممارسة المواطنين لواجب المساءلة لمن تولوا المسؤولية النيابية ومحاسبتهم على أساس الالتزامات التي تعهدوا بها.

3. عدم اعتبار الاختلاف في الرأي والمعتقد سبباً للفرقة بين أبناء الوطن، بل يجب أن يستثمر ليكون عنصر قوة.

ووفقاً للرؤية الملكية فإن الاختلاف المبني على الاحترام المتبادل يعتبر دافعاً قوياً للحوار البناء الذي يعد جوهر العملية الديمقراطية، والديمقراطية هي التي تجعل من الحلول التوافقية منهجاً يمكن الدولة والمجتمع من المضي قدماًَ نحو الأمام بخطى ثابتة. ويفرض بالوقت نفسه على الجميع الإيمان بمبدأ "أن تعطي كما تأخذ" واعتبار المبادرة في التنازل من أجل الوصول إلى الحلول التوافقية فضيلة ترفع شأن من يتحلى بها وليس علامة ضعف.

وكون الأحزاب تعد مطلباً رئيساً لا يمكن من دونه الوصول إلى مرحلة الحكومات البرلمانية، فقد دعا الملك في الورقة النقاشية الثالثة – التي بينت الأدوار المناطة بكل مكونات الدولة – إلى ضرورة سعيها لوضع برامج عملية قابلة للتطبيق مبنية على سياسات واضحة تحاكي هموم جميع المواطنين ومتطلباتهم، بالشكل الذي يمكنها من الحصول على ثقتهم وتشكيل القناعة لديهم بالانتخاب على أساس حزبي برامجي يؤدي بالنتيجة إلى إيجاد أغلبية حزبية في البرلمان تُشكل الحكومة.

أما مجلس النواب الذي يعد رافعة رئيسية لإيصال النظام السياسي الأردني إلى مرحلة الحكومات البرلمانية فيتوجب عليه وفقاً للرؤية الملكية في الورقة الثالثة، ضرورة تطوير نظامه الداخلي بالشكل الذي يؤدي إلى وضع آلية للتشاور والتوافق تبلور حالة من الفهم المشترك بين الكتل النيابية عن كيفية الوصول إلى برامج تجسد سياسات متفقاً عليها كأساس للتعاون مع الحكومات، كما ينبغي على كل نائب أن يكون هدفه الحقيقي من المنصب النيابي خدمة الصالح العام وليس مصالح شخصية، وجعل أدائه يتسم بالتوازن بين مسؤولية التعاون مع الحكومات ومسؤولية المعارضة البناءة من ناحية ثانية. والوصول إلى هذا التوازن يشكل النجاح الحقيقي في تجاوز التحدي الأكبر الذي يواجه كل نائب، ويجسد في الوقت نفسه قدرته على الأداء السياسي الفاعل الذي يخدم من خلاله مصلحة الوطن العليا، لذا يجب أن تقوم علاقة النائب بالحكومة على أسس موضوعية تستند بالمقام الأول إلى مبدأ التشاركية الخالية من السعي لتحقيق المصالح الشخصية على أساس الواسطة والمحسوبية.

أما عن واجب مجلس الوزراء، في إطار عملية الإصلاح الديمقراطي فيتمثل بالجدية والالتزام في تنفيذ البرنامج الوزاري بأسلوب فاعل وفق جدول زمني محدد، والتواصل من خلال الحوار البناء مع كافة الفعاليات السياسية داخل الدولة، وبشكلٍ خاص مجلس الأمة.

ولنجاح مجلس الوزراء في أداء مهامه - وفقاً لما تضمنته الورقة النقاشية الثالثة - ينبغي عليه نيل ثقة مجلس النواب والحفاظ عليها طوال مرحلة ولايته، ووضع أفضل المعايير للعمل الحكومي وتطبيقها على أساس مؤسسي، إضافة إلى إبراز المهارة في الاتصال والتفاوض وبناء التحالفات الضرورية لمجابهة التحديات الوطنية متبعة في عملها منهجاً يتسم بالشفافية والحاكمية الرشيدة، وترجمتها على أرض الواقع وبشكل خاص مع المواطنين والنواب.

ولما كانت عملية الإصلاح الديمقراطي والتنمية السياسية الموصلة إلى مرحلة الحكومات البرلمانية، تتطلب تطوير كافة مؤسسات الدولة الدستورية، فقد طرح الملك من خلال الورقة النقاشية الثالثة فكرة ضرورة تطوير دور أعلى مؤسسة حكم في الأردن ممثلة بمؤسسة العرش، وتعزيز دورها في تحقيق أمن الأردن واستقراره وتنميته المستدامة، وذلك من خلال تطبيق نهج يحافظ فيه على دور الملك كقائد موحد للبلاد والمحافظ على منظومة القيم الوطنية، والمعزز في الوقت نفسه لروح الثقة بقدرة الأرديين على التميز والإبداع، من خلال تحفيز الطاقات الكامنة والمبادرات الريادية ودعم قصص النجاح ورعاية الإنجازات الاستثنائية.

ويرى الملك بصفته رأساً للدولة والمدافع عن قضاياها المصيرية وأمنها الوطني والقومي، ضرورة سعيه المستمر لتعزيز دور مجلس الوزراء في إدارة جميع شؤون الدولة وفق أحكام الدستور مع إبقاء مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية والقضائية والمؤسسات الدينية مستقلة ومحايدة غير مسيسة.

إن رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني الإصلاحية كما عبر عنها في الأوراق النقاشية، تنبثق من قناعات قائمة على أسس موضوعية راسخة ورؤية شمولية واضحة غير منحازة لجهة ضد أخرى، وتنظر بالدرجة الأولى إلى تحقيق المصلحة الوطنية الأردنية العليا في إطار المصلحة العربية والإسلامية والإنسانية.

وكان نتيجة لهذه الرؤية الثاقبة التي شكلت إستراتيجية عمل وخارطة طريق، اكبر الأثر في ترسيخ مقومات النظام السياسي الأردني ومكوناته الدستورية وإعطاء الدولة الأردنية القدرة الفائقة على البقاء والاستمرار بخطى ثابتة نحو الأمام رغم كل التحديات الصعبة التي واجهتها على كافة المستويات خلال العقدين الماضيين.

وهذا ما يتضح من خلال تقييم حجم الإنجازات الهائلة التي تحققت في ظل ظروف وأوضاع عربية وإقليمية ودولية مضطربة. ففي الوقت الذي فشلت فيه العديد من دول المنطقة خلال العقد الماضي من تطبيق النهج الديمقراطي كمنهج يتحقق من خلاله أمن المجتمع وسلامته، بل فشلت أيضاً في ضبط أمورها الداخلية عن طريق القوة العسكرية، وتحولت مجتمعاتها إلى حالة من الصراع الدموي الذي أدى إلى إيقاف مشاريع التنمية، وتدمير منجزات هائلة تحققت عبر سنوات طويلة – ينجح الأردن نتيجة سياسة قيادته السياسية الحكيمة في تطبيق النهج الديمقراطي وبرامج التنمية ودفعها قدماً نحو الأمام بكل تمكن، والحفاظ على أمن المجتمع واستقراره وترسيخ كل معاني ومبادئ سيادة دولة القانون والمؤسسات، واحتواء الحركات الشعبية التي تشكلت بفعل ما سمي بـ "الربيع العربي" بأسلوب عقلاني متحضر أبعد الدولة والمجتمع عن الانزلاق في حالة الصراع الدموي والحرب الأهلية، الأمر الذي أعطى الدولة الأردنية القدرة على مواكبة التطورات المدنية العصرية ومواجهة التحديات القائمة، والتعامل بحكمه مع المتغيرات المفاجئة، وهذا ما أدى بالنتيجة إلى نيل الأردن ثقة واحترام المجتمع الدولي ودلل بالوقت نفسه على سلامة منهج وبناء الدولة الأردنية وصلابة المرتكزات التي تستند إليها بأبعادها العربية والإسلامية وشرعية القيادة الهاشمية الدينية والتاريخية والسياسية.

وقد تجسدت هذه المنجزات المتحققة على المستويين التشريعي والمؤسسي كما أبرزتها الورقة النقاشية الخامسة بالتعديلات الدستورية التي هدفت إلى تمهيد الطريق أمام حركة الإصلاح الحقيقي وتشريعات على المستوى النيابي والحزبي بهدف رفع مستوى المشاركة السياسية الفاعلة، وتعديلات على القوانين لتكريس المبدأ العام لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم المدنية.

إضافة إلى الاستمرار في إجراء الانتخابات طوال العقدين الماضيين بصورة مستمرة نجم عنها تشكيل عدة مجالس نيابية مثلت إلى حدٍ كبير إرادة شرائح واسعة من الشعب وأدت جانباً كبيراً من دورها الرقابي والتشريعي، وإنشاء المحكمة الدستورية للرقابة على دستورية القوانين وهيئة مستقلة للانتخابات، وتدعيم دور السلطة القضائية من خلال تأسيس عدد من مؤسسات الرقابة المساندة مثل (هيئة مكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، وديوان المظالم) والاستمرار في دعم المركز الوطني لحقوق الإنسان، وتطبيق برنامج تطوير القطاع العام والاستمرار في تحسين مستوى الخدمات وتنمية الموارد وتطبيق العديد من الإصلاحات في المؤسسات العسكرية والأمنية مثل مناقشة مجلس النواب لموازنة الجيش والأجهزة الأمنية والديوان الملكي، وجاءت كل هذه الإجراءات وغيرها بهدف تأمين بنية ملائمة تتوفر من خلالها كل المقومات لعملية التنمية المستدامة والإصلاح الشامل.

لقد قدم الملك في الأوراق النقاشية الخمس الأولى جملة من الأفكار والرؤى الرامية إلى الإصلاح الإيجابي ودفع عملية التنمية قدماً نحو الأمام بالشكل الذي يوصل الأردن إلى مستقبل مزدهر على كافة المستويات، وقد حققت هذه الرؤى نجاحات ملموسة كما أشرنا على كافة المستويات رغم كل الظروف الصعبة التي تواجه الأردن.

ومن منطلق فهم الملك الشمولي الذي يرى بأن عميلة الإصلاح والتنمية يجب أن تبقى حالة مستمرة لا تتوقف عند نقطة معينة، حتى تبقى الدولة الأردنية قادرة على الاستمرار في مواكبة التطورات العصرية ومواجهة التحديات القائمة، وتمتلك كل الاستعداد للدخول للمستقبل بكل تمكن وأريحية، فقد أطلق جلالته الورقة النقاشية السادسة تحت عنوان: "سيادة القانون أساس الدولة المدنية" متضمنة جملة من الرؤى الهادفة إلى تعزيز مسيرة الإصلاح والتنمية، التي تعد مطلباً رئيسياً لإيجاد الدولة المدنية، التي تتسم وفقاً للرؤية الملكية بسمة المؤسسية وسيادة القانون على الجميع والفصل بين السلطات الثلاث والإيمان بمبادئ العدل والمساواة والتسامح والاحترام والتعددية وصيانة حقوق وحريات الجميع على كافة المستويات، بغض النظر عن أي اعتبارات.

والوصول إلى مرحلة الدولة المدنية وفقاً للرؤية الملكية في الورقة النقاشية السادسة يعد استمراراً حقيقياً في تقدم المجتمع نحو مرحلة حضارية مزدهرة تقوم على أساس الأصالة والمعاصرة؛ حيث تصان فيها قيم المجتمع وأخلاقياته السامية المتوارثة المعبرة عن هوية الأمة وشخصيتها الحضارية، وتواكب في الوقت نفسه أحدث التطورات العصرية.

لذلك لا يَعْتبر الملك مفهوم الدولة المدنية رديفاً للدولة العلمانية التي يُفْصَل فيها الدين عن الحياة، فالدين الإسلامي الحنيف الخالي من الشوائب وفقاً لرؤية جلالته يعد من مقومات تكوين الأمة العربية، والعنصر القوي الذي حافظ على وجودها عبر التاريخ، نظراً لدوره المهم في بناء منظومة القيم والأخلاق السامية الفاعلة في تحقيق أمن المجتمع واستقراره. لذلك اُعتبر الدين الإسلامي الحنيف ركناً أساسياً من الأركان التي استند إليها الدستور الأردني، الذي يُعد الإطار التشريعي الناظم للدولة الأردنية والمحدد لأهدافها العليا.

ومما يؤكد الرؤية الملكية التي تقوم على أساس عدم التضارب بين الدين ومفهوم الدولة المدنية "ميثاق صحيفة المدينة" الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم بهدف تنظيم العلاقات بين جميع الطوائف والجماعات المكونة لمجتمع المدينة من مهاجرين وأنصار ومسلمين ويهود ونصارى، والذي أكد بشكل رئيسي على صيانة حقوق المواطنة للجميع بغض النظر عن معتقداتهم الدينية.

وهذا يبين أن مفهوم الدولة المدنية بذهنية الملك عبد الله الثاني يتمثل بشكل أساسي بمدى قدرة الدولة على خدمة مواطنيها وصيانة حقوقهم والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، وترسيخ مبدأ العدالة والإنصاف والنزاهة والشفافية، وهذه القيم والمبادئ لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال المصداقية والالتزام بترسيخ مبدأ سيادة القانون، الذي يعد الضرورة القصوى لنجاح عملية التحول الديمقراطي، والضامن الحقيقي لصيانة الحقوق، وممارسة أجهزة الدولة لسلطاتها وفقاً لأحكام الدستور، وعدم الالتزام بتطبيق القانون بنزاهة وشفافية سيؤدي إلى ضياع الحقوق وفتح المجال أمام التمادي بالفساد، الأمر الذي سيكون نتيجته الحتمية إضعاف الثقة بأجهزة الدولة وتراجع أهم مرتكزاتها متمثلة بقيم المواطنة.

إن ترسيخ مبدأ سيادة القانون أساس الدولة المدنية من منظور الملك لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عملية تشاركية تساهم بها كافة مكونات الدولة والمجتمع، متخذة من الإيمان بمبادئ العدل والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص نهجاً وأساساً موجهاً للسلوك الوطني، ومستندة في عملها إلى خطة شاملة للتنمية والتطوير تهدف إلى تطوير وتحديث الإجراءات، وإفساح المجال أمام القيادات القادرة على الإبداع والإنجاز وإحداث التغيير الإيجابي المواكب لمتطلبات العصر.

ولمعالجة مواطن الخلل التي تشكل تحدياً في طريق الإصلاح الموصل إلى مرحلة الدولة المدنية، دعا الملك من خلال الورقة النقاشية السادسة كافة مؤسسات الدولة إلى ضرورة تطوير أسلوبها الإداري وفق مسار يخضع فيه الجميع – أفراداً ومؤسسات – للمراجعة والتقييم والمساءلة، بشكل دوري مستمر دون استثناء خاصة من هم في مواقع المسؤولية، من خلال اعتماد معايير علمية موضوعية تطبق على أرض الواقع بكل نزاهة وشفافية.

وكون مبدأ تطوير الإدارة الحكومية برؤية جلالته يشكل مسيرة مستمرة تحتاج إلى مراجعة وتقييم دائمين، فإن الضرورة تفرض أولاً تحديد مواطن الخلل وجوانب التقصير والاعتراف بهما والعمل الجاد على معالجتهما، من خلال تفعيل مبدأ المساءلة كأساس في عمل المؤسسات، بحيث يكافأ المبدع ويحاسب المقصر.

ولإيجاد الأسس السليمة لمنظومة شاملة للمساءلة والمحاسبة توصل الأردن إلى مستقبله المزدهر، لا بد أن تتبنى مجموعة من الإجراءات الأولية تتمثل بما يلي:

1. تبني المؤسسات أولاً لمدونات سلوك، وأخلاقيات عمل ملزمة لأدائها.

2. وضع خارطة طريق تتضمن رؤية واضحة وأهدافاً محددة وفق أرقى معايير النزاهة والشفافية وخدمة مصالح المواطنين بمستوى عالٍ.

3. إيجاد آليات رقابية فاعلة متمثلة بأجهزة الحكومة الرقابية كوحدات الرقابة الداخلية في الوزارات والمؤسسات المستقلة وديوان المحاسبة، ومكافحة الفساد.

4. الاستمرار في تطوير البرلمان والقضاء والمحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخابات، بالشكل الذي يضمن السرعة في معالجة جوانب الخلل والقصور على المستوى التشريعي والفني بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ووفقاً للرؤية الملكية تتمثل أهم المتطلبات الحيوية الملحة لترسيخ مبدأ سيادة القانون كأساس لإيجاد الدولة المدنية، التركيز أولاً على جانبين مهمين هما:

أولاً: محاربة الواسطة والمحسوبية كونها ظاهرة تشكل عائقاً يحول دون النهوض بالوطن وتدمير إنجازاته، وذلك لتعارضهما مع قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة التي تعد أساس تطور أي مجتمع.

ثانياً: تطوير الجهاز القضائي كون مبدأ سيادة القانون لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نظام قضائي نزيه وفاعل يتمتع بمستوى من المهنية العالية.

وعلى الرغم من مستوى النزاهة العالية التي يتمتع بها القضاء الأردني، إلا أن جلالة الملك يرى بأن القضاء يعاني من عدة نواقص لا بد من التغلب عليها لتحقيق الهدف المنشود في إيجاد الدولة المدنية، وتتمثل أهم هذه النواقص بالإجراءات القضائية الطويلة، ونقص الكادر الوظيفي والخبرات النوعية الخاصة ببعض القضايا.

وللتغلب على كافة التحديات التي تؤثر سلباً في أداء الجهاز القضائي، تفرض الضرورة وضع إستراتيجية واضحة للسنوات القادمة لتطوير القضاء وسائر الأجهزة المساندة له بالشكل الذي يؤدي إلى إيجاد مؤسسة قضائية عصرية متطورة من حيث التشريع والكادر والخبرة والإجراءات وعملية التقاضي.

وختاماً، إن الوصول إلى مرحلة الدولة المدنية وفقاً للرؤية الملكية يتمثل في الوصول إلى مرحلة الدولة العصرية المتحضرة التي تستند إلى حكم الدستور والقوانين المشرعة في ظل احترام ثوابت المجتمع الدينية وقيمه الأخلاقية السامية التي تتجسد من خلالها هوية الأمة، ومثلها العليا والمرتكزة في الوقت نفسه على مبادئ المواطنة الفاعلة المؤمنة باحترام التعددية والرأي الآخر، وصيانة واحترام حق الجميع دون تمييز بناءً على الاعتبارات الدينية أو العرقية أو الجهوية أو المذهبية... الخ.

*جامعة البلقاء التطبيقية

E-mail: afeefahmed@yaoo.com