عمان - بترا - مازن النعيمي

اعتبر خبراء ومتخصصون أن الإستراتيجية الأردنية في التعاطي مع الإرهاب نجحت خلال السنوات الماضية في صون مجتمعنا من قوى الشر والظلام وخوارج العصر، وعكست حجم التحديات والتداعيات المختلفة وباتت أكثر استعداداً لمواجهة مختلف الأخطار، حيث تعد إستراتيجية وقائية، تجاوزت الجانب الأمني إلى مستويات فكرية وثقافية ومجتمعية أوسع وأعمق بوجه عام.

واستذكروا ما جرى يوم التاسع من تشرين الثاني عام 2005، حين هزت تفجيرات ثلاثة فنادق في العاصمة عمان، وأدت الى وقوع العديد من الضحايا الأبرياء بين شهيد وجريح، لافتين إلى أن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني يوم أمس قد أشار في بعض مضامينه إلى أن الأردن نجح في صون مجتمعه ووحدته الوطنية من قوى الشر والإرهاب، الأمر الذي يدعونا إلى مواجهة مختلف التحديات بمنتهى العزم والإرادة والتصميم لحماية الوطن والذود عنه.

ويبين أستاذ الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية الدكتور عبدالله زيد الكيلاني ان الدين الإسلامي لم يأت لتمزيق الناس وإنما لإحيائهم، مستشهداً بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، مشدداً على أن أي فهم خاطىء للنص الديني يقود لتدمير المجتمع حيث أن الخلل ليس بالنص وإنما بالعقل الذي فهم هذا النص بشكل خاطىء، عازياً ذلك إلى أمراض واضطرابات نفسية تعرض لها بعض الأفراد فلم يعودوا يفهموا الدين كما أراده الله عز وجل.

ويستذكر قول والده سماحة الشيخ زيد الكيلاني وزير الأوقاف والشوؤون والمقدسات الإسلامية الأسبق حول تفجيرات عمان "عمى الألوان ..وتفجيرات عمان" الذي اعتبر من قام بهذا الاعتداء الأثيم مصاب بالعمى في بصره وبصيرته، فلا يعقل أن يقوم شخص بتفجير وقتل أهله وأقاربه، فالعقل الإنساني والفطرة الإنسانية تدعوان الإنسان إلى حماية أهله والدفاع عنهم، لا أن تقوم بالإعتداء عليهم وتدميرهم تحت ذريعة الدين.

ويوضح الكيلاني كيف التفت الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- إلى صورة الإسلام أمام الرأي العام عندما أتى عليه بعض الصحابه ليستشيروه في قتل بعض الأشخاص الذين قاموا بارتكاب العديد من الأخطاء حيث أجابهم حينها (كيف إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، الأمر الذي يؤكد ضرورة التنبه لمثل هذه الأمور لأهميتها في جذب الناس إلى الدين وليس تنفيرهم منه عبر القيام بأعمال العنف والقتل والظلم والتطرف.

ويلفت إلى أن جلالة الملك قد وصف من يقوم بمثل هذه الأعمال في العديد من المحافل الدولية بـ "خوارج العصر" حيث أنهم لا يمسون الدين بشيء عبر قيامهم بتشويه صورة الإسلام، موضحاً أن الأردن وبفضل الله تعالى يشعر بأنه مؤتمن على تقديم رسالة الإسلام السمحة كما أرادها الله تعالى، حيث نهض جلالة الملك أمام المنابر الدولية لتبني يوم السابع من شهر شباط يوماً للوئام الديني، الأمر الذي رحبت مختلف الدول والجهات والمنظمات الدولية بهذا المشروع الذي يوظف الدين كأداة للوئام والحوار وليس للخصام والاختلاف.

ويشير الكيلاني إلى قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا)، فالهدف من الجهاد بالدرجة الأولى ليس هدم المعابد والكنائس ليحل مكانه مسجد، بل أن تحفظ الكنائس ودور العبادة والمساجد، فمن يهدمها ليس مجاهداً وإنما مخرباً، لافتاً إلى أن تفجيرات عمان زادت الأردن تحصينا وصلابة.

وفي ذات الصدد، يوضح نقيب الصحفيين الأردنيين الزميل طارق المومني أن الأردن عبر تكاتف ابنائه وأجهزته الأمنية وقواته المسلحة، استطاع عبر السنوات الماضية أن يتجاوز ما قد لحق في بعض الدول العربية، وأدرك مبكراً خطر التظيمات والجماعات الإرهابية المتطرفة ورغبتها في إثارة الفوضى وزعزعة الأمن والسلم المجتمعي والأهلي في الأردن.

ويضيف أن حالة الوعي هذه استطاعت وبحكمة القيادة الهاشمية أن تجنب الأردن المخاطر والانزلاقات التي وقعت بها بعض الدول العربية، الأمر الذي يعبر عن تصميم واضح لدى الجميع أن أمن واستقرار الوطن هو خط أحمر لا يسمح لأي كان بالمساس منه.

ويشير المومني إلى تزامن حديث جلالة الملك في خطاب العرش السامي أمس مع هذه الذكرى الأليمة التي استنكرها وأدانها المجتمع الأردني بجميع أطيافه وبمختلف تياراته وقواه، التي أكدت على رفضها المطلق لهذه الجريمة البشعة التي قام بها أعداء الفرح والسلام والأمن والدين، مضيفاً أن إشارة جلالته جاءت لتؤكد على وعي الأردنيين وقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية في التصدي إلى أية محاولات من شأنها المساس بأمن واستقرار الأردن.

ويؤكد أن ذكرى تفجيرات عمان قد شكلت دافعاً قوياً لدى جميع الأردنيين في رفض هذه الممارسات وادانتها عبر تصميمه على الحفاظ على أمن الوطن واستقراره باعتباره أمراً مقدساً يتقدم على أي أمر آخر، لافتاً الى أن الشعب الأردني هو الأكثر انتماء وحرصاً على بلده وأمنه واستقراره.

وعلى ذلك، يقول الباحث في قضايا المواطنه الدكتور فيصل الغرايبه، ان ذكرى تفجيرات عمان تمر على الاردنيين في مثل هذا اليوم وقد اعدوا العدة وابدوا الاستعداد التام شعبيا ورسميا وبالقيادة الهاشمية الواعية لصد كل محاولات الفتن والتدمير والارهاب واحداث البلبلة الداخلية والزعزعه الامنية في ارجاء هذا الوطن العزيز .

ويشير الى ان الاردن اليوم وفي ظل ما يسمى بالربيع العربي قد نسج لنفسه ربيعا اردنيا هادئا رصينا لا مثيل له على امتداد الوطن العربي وما زال يثبت يوميا قيادة وشعبا بان الاردن حصنا منيعا يشد بعضه بعضا داخليا ويتكاثف حوله ليصد كل محاولات الارهاب والعنف والخروج عن القانون واستغلال الظروف العربية لما يشاهدونه من حولهم مثل تلك الظواهر التي لم يفسح لها المجال في الاردن .

ويوضح اننا نريد تحصينا للجبهة الداخلية تساند الجبهة الامنية العسكرية داخل الوطن وعلى حدوده مشيرا الى ان هذا التحصين لا يتأتى الا من خلال الوعي والشعور بالانتماء الوطني وتربية الاجيال تربية وطنية تزيد من انتمائهم وتعمق من اخلاصهم للوطن .

ويلفت الى دور الاسرة في ممارسة المواطنه تجاه ابنائهم والتي تنتقل الى المدرسة ثم الجامعة لاعداد جيل تكمن فيه حقيقة المواطنة الصالحة ويدافع عن وطنه اضافة الى ضرورة وجود برامج لرعاية الشباب بحيث تتولى الجامعات والاندية ومراكز ومعسكرات الشباب والفرق الكشفية التي تعمل على توجيه طاقات الشباب نحو مسؤولياتهم في حفظ الوطن وصونه من العبث والعابثين باسلوب مغرض وهدام .

وفي ذات الصدد، يقول المحامي الدكتور عمر مشهور الجازي، ان هذه الذكرى رغم ألمها الا انها وحدت الاردنيين على مقاومة التطرف الذي يعتبر دخيلا على الوطن مشيرا الى ضرورة مراجعة التشريعات التي تحد من التطرف وانتشار الفكر الضلالي .

ويشير الى ان التشريع لا يستقيم وحده الا بوجود منظومة تبدأ من الاسرة والمدرسة وصولا الى المجتمع ككل لافتا الى اننا نحارب الارهاب من خلال قيمنا الاصيلة النابعة من قيم التسامح والدين الاسلامي والنظر للايجابيات .