تيرانا - بترا – تقرير خاص

تدخل البانيا الشهر الحالي في مفاوضات جديدة مع الاتحاد الاوروبي بشأن عضويتها في الاتحاد ، لكن الالبان لا يعولون كثيراً على الجولة الجديدة، فكل ما استفادوه من الاتحاد لا يتعدى كثيراً حرية التنقل وارتفاع تكاليف المعيشة قياساً بالدخل حتى الآن .

البانيا (جمهورية شيبيري باللغة المحلية) بلد اوروبي في منطقة البلقان تقع الى الشمال من اليونان والى الجنوب من صربيا والجبل الاسود مساحتها نحو 29 الف كيلومتر مربع وسكانها نحو 5ر3 مليون نسمة، وهو بلد فقير على العموم بالرغم من امكاناته الزراعية وانتاجه النفطي الذي يغطي معظم احتياجاته فهو البلد النفطي الوحيد في البلقان.

المفاجأة الاولى

اول ما يفاجئ زائر البانيا للمرة الاولى مطار تيرانا وهو المطار الوحيد في البلاد (يجري العمل حاليا على انشاء مطار آخر خارج تيرانا) فهو عبارة عن مبنى صغير ومدرج واحد يستقبل ما لا يزيد على عشرين رحلة يومياً.

تيرانا مدينة جميلة محاطة بسلسلة جبلية حولها على شكل دائري تقريبا، شوارعها الرئيسية جميلة، أما الشوارع الفرعية فتحتاج غالبيتها إلى صيانة أو اعادة فتح وتعبيد، أما المساكن فهي خليط من حداثة ومن جميع العهود السابقة ولاسيما عهد الشيوعية، بالرغم من انها كانت الاسرع عمرانياً في البلقان بعد زوال الحكم الشيوعي في تسعينيات القرن الماضي، وأما عدد سكان العاصمة فلا يتجاوز 700 الف نسمة .

بلد اسلامي ؟؟



تتجاوز نسبة المسلمين ثلثي مواطني البانيا وهم لا ينتمون الى طوائف أما النسبة الباقية (30 %تقريبا) فهي من المسيحيين (18% اردثوذكس و 12% كاثوليك). في تيرانا اربعة مساجد واربع كنائس (اثنتان للاردثوذكس ومثلهما للكاثوليك) ولكن روادها جميعا نادرون، فالالبان شعب غير متدين على وجه العموم .

بالرغم من ذلك تقوم تركيا اليوم ببناء اكبر مسجد في تيرانا (على مستوى دول البلقان) ومن المقرر ان يفتتحه العام المقبل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان .

لماذا المسجد الكبير اذا ؟ ولماذا الهدية التركية ما دامت المساجد الاربعة الحالية تفيض عن حاجة الناس هنا؟ هل البانيا على حافة استقطاب الاسلام السياسي ؟ يجيب مسؤول الباني (فضل عدم ذكر اسمه) ان قصة المسجد (التركي) شخصية اكثر منها سياسية او اسلامية، يبدو ان علاقة الرئيس التركي بأحد اركان الدولة هي سبب هذه "المنحة" لكنها لن تغير الشيء الكثير .

"افهم انكم تسألون عن احتمالات استقطاب الشعب الالباني المسلم (اسلاميا) لكن هذا الامر مستحيل، فالشعب الالباني دفع ثمنا غاليا في القرون السابقة منذ الحكم العثماني حتى حكم الاستبداد الشيوعي الذي وضعه في عزلة تامة عن العالم، الاسلام هنا شيء مختلف عما هو لديكم ... 97 بالمئة من حالات الزواج لا تتم في الكنائس ولا في المساجد ولا يسأل الزوج او الزوجة عن دينهما" يضيف المسؤول ذاته .

آمال واقعية



يعلق الالبان آمالاً واقعية على المستقبل ولكن من دون تحديد دقيق للمستقبل، فبلادهم الصغيرة مساحة، تحتوي على الكثير من التنوع الذي يؤهلها لأن تشكل منافساً حقيقياً سياحياٍ واقتصادياً في البلقان .

فالبانيا تطل على بحرين: الادرياتيكي (260) كيلومتراً، والايوني (ايجة) (110) كيلومترات، لكن لا توجد حتى اليوم استثمارات سياحية كبرى على طول الشاطئ تغري السائحين، وفوق ذلك فلا توجد شركة وطنية لصيد الاسماك تجعل منه بلداً مصدراً للعالم الخارجي.

اضافة الى شواطئها على بحري الادرياتيكي وايجة تقع على حدودها الشرقية مع مقدونيا بحيرة (اوهريد) وهي من اعمق البحيرات في العالم واكثرها نقاء، وتبلغ حدود البانيا على البحيرة 31 كيلومترا ولكن مدينة (بوغرادتس) الرئيسية في المنطقة لا تجتذب مشروعات سياحية عملاقة كالتي يشاهدها الزائر على الضفة الاخرى للبحيرة في مقدونيا ... موازنة المدينة السياحية تلك لا تتجاوز خمسة ملايين يورو سنوياً والاستثمارات السياحية فيها متواضعة .

اما الميناء الوحيد لالبانيا فهو في مدينة دورس القريبة من تيرانا، وهو ميناء صغير يصدر بعض المنتجات الزراعية، ويستقبل معظم استهلاك البانيا المستورد من الخارج.

الكل خاسر من النفط

من الطرائف في البانيا أنها دولة منتجة للنفط لكن جميع الاطراف المشاركة في استخراجه او استهلاكه خاسرون .

فالشركات المنتجة (اميركية) تدعي انها خاسرة مع انها لا تدفع ضرائب للحكومة التي تخسر بدورها جراء ذلك، أما المواطنون فهم الاكثر خسارة لان اسعار المشتقات النفطية لديهم اعلى منها في مثيلاتها من دول البلقان بالمقابل، فليس في البانيا صناعات قوية تعتمد على النفط ومعظم استخداماته للحياة اليومية، وعلى سبيل المثال ففي البانيا نحو 400 الف سيارة، الحديثة منها لا تشكل نسبة عالية من المجموع وهو امر يعبر عن الحالة الاقتصادية للمواطنين .

اين الالبان ؟



يعيش اكثر من ضعفي سكان البانيا حاليا خارج بلادهم لكنهم اكتسبوا جنسيات اخرى ولم يعودوا الباناً، والتقديرات شبه الرسمية ان نحو ثلاثة ملايين منهم يعيشون في تركيا (اتراك)، واكثر من مليونين ونصف المليون في كوسوفو ومليون واحد تقريباً في مقدونيا، اضافة الى مئات الالاف منتشرون في عدة دول في العالم، من هنا ، فان نسبة النمو السكاني في البانيا ليست عالية قياساً بمحيطها، فعلى سبيل المثال، ونحن نقف على ضفة بحيرة اوهريد في الجانب الالباني روى لي مرافقي في الرحلة قصصاً عن اشخاص قطعوا البحيرة سباحة بين البانيا ومقدونيا، ولما سألته ان كان بعضهم من المقدونيين ضحك وقال ليس لديهم اي مبرر للمجيء .

اما السكان الحاليون فهم مستقرون في بلدهم لكن نحو مليون مواطن منهم يعملون خارج البانيا، 700 الف في اليونان و 200 الف في ايطاليا ومعظمهم يعملون في الزراعة حيث يستفيدون من الاجور هناك بالرغم من ان بلدهم يمتلك امكانات زراعية كبيرة الا انها غير مجدية اقتصاديا .

يدفعون الثمن

عاشت البانيا في القرن الماضي اياماً طويلة صعبة، فقد اغلقت تقريباً على مواطنيها وفتحت فقط امام تحالفات متقلبة ولاسيما مع الكتلة الشيوعية .

فإلى الشمال منها كان الاتحاد اليوغوسلافي الشيوعي، وإلى الشرق الدول المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي، لكن الحكم الشيوعي فيها بقي خارج تلك التحالفات .

حكم الدكتاتور الشيوعي انور خوجة البلاد منذ عام 1941 وحتى عام 1985 بقبضة حديدية، وباغلاق تام للبلاد وبعلاقات مضطربة مع الجوار، واعمل قتلاً ونفياً لمناوئيه.

في رومانيا ، مثلا يذكر المواطنون رئيسهم الدكتاتور شاوشيسكو الذي اعدموه وزوجته علناً ومن دون محاكمة تقريباً اليوم بنوع من الاسى، فهم يذكرون منجزاته وفضله على البلاد رغم قسوته في الحكم، في البانيا، لا احد يحب ان يذكر انور خوجة وعهده ويردون معظم مصائب البلاد الى سياساته الخرقاء داخلياً وخارجياً رغم مرور نحو ثلاثين عاماً على رحيله .

استقرار سياسي

تستعد البانيا لانتخابات عامة جديدة وسط استقرار سياسي لافت ولعبة ديمقراطية حقيقية وتداول سلمي للسلطة والغريب ان الشيوعيين في البلاد لم يتمكنوا من احتلال اي مقعد في البرلمان المكون من 140 مقعداً رغم مشاركتهم المستمرة في الانتخابات .

يفخر الالبان اليوم بانهم يتمتعون بعلاقات ايجابية مع جميع دول العالم، ليست بينهم وبين أي دولة في مشارق الارض ومغاربها ازمة او قطيعة على عكس القرن الماضي الذي شهد علاقات متوترة او فاترة او مقطوعة مع الجوار والعالم الخارجي.

اسئلة للمستقبل

تحتاج البانيا الى استثمارات كبرى في البنى التحتية ولا سيما الطرق والمواصلات والمشروعات السياحية الكبرى، كي تصبح بلداً منافساً ليس على مستوى دول البلقان وانما على المستوى الاوروبي عموماً.

يكافح الالبانيون كي يعيشوا في مستوى نظرائهم في الجوار فيعملون خارج بلادهم مع ان الامكانات متوفرة من حيث تنوع الطبيعة وخصوبة الارض والموارد المائية والشطآن الطويلة والبكر، اضافة الى كميات النفط على تواضعها .

لكنهم يشعرون بمرارة ادارة الظهر ليس من محيطهم فقط، بل ومن العالم كله تقريباً، فعضويتهم في الاتحاد الاوروبي ليست قريبة المنال واحوال دول البلقان ليست احسن بكثير في هذا الشأن، أما العالم الاسلامي فلا يمتلك نظاماً أو الية لدعم دوله الاعضاء ... وأما العالم العربي فمنشغل في الحروب والصراعات.

تركيا القريبة جغرافيا ليست قريبة سياسياً من البانيا ولا اليونان المجاورة، السياحة الى البانيا (على تواضعها) تأتي بالدرجة الاولى من بولندا وفنلندا والسويد وكوسوفو لان مناطق في البانيا تعيش 300 يوم مشمس سنوياً.

في الفندق الذي اقمنا فيه عقد مؤتمر شارك فيه رجال متعددو الجنسيات، كان عن دور "الامام" في المجتمع المعاصر، شارك فيه اشخاص من اوروبا والعالم الاسلامي.

سألت مرافقي : هل يشكل هذا تغييراً في سياسة الدولة ؟ اجاب بأن الموضوع ثقافي بالنسبة اليهم بالدرجة الاولى، بعضهم يفهم الموضوع خطأ ... البانيا دولة علمانية بالكامل .

الاردن والبانيا

في شهر ايار من العام الماضي قام جلالة الملك عبدالله الثاني بزيارة الى البانيا بحث خلالها مع الرئيس بوجار نيشاني امكانية تطوير العلاقات بين البلدين ولاسيما على صعيد تنسيق المواقف بين الدول العربية والاسلامية ازاء مختلف القضايا الراهنة وعلى رأسها مكافحة الارهاب من جهة وفتح الافاق امام علاقات اقتصادية جديدة بين البلدين، اضافة الى بعض الملفات الاخرى .

الرئيس نيشاني زار الاردن الشهر الماضي وتركزت المباحثات مع جلالة الملك عبدالله الثاني على ضرورة تحقيق تقدم في العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية اضافة الى التطورات السياسية في المنطقة ومكافحة الارهاب .

ينظر الالبان الى الاردن كبلد صديق مستقر في محيط ملتهب يمكن التعاون معه في مجالات مختلفة اهمها الاقتصادية والسياحية والثقافية ...لكن الاهم في نظرتهم اليه انه بلد منفتح ومتسامح في اقليم يشهد الفتن والتطرف والكراهية .