تحقيق - ندى شحادة

«وقفت أمي عاجزة عن مواجهة شراسة سرطان الثدي الذي أخذ ينهش جسدها بلا رحمة الى أن وافتها المنية،عام من الزمن كان كفيلا لأن يحول أمي الى جثة هامدة لا تقوى على الحراك، ألم ومعاناة كبيرة تجرعتها عائلتنا بأكملها، فلم يأخذ السرطان أمي فقط بل أخذ السعادة والفرح من كل زوايا البيت وخلف وراءه أجسادا بقلوب دمرتها الأوجاع وحطمتها الالام».. بهذه العبارات بدأت لمى حديثها عن المرض الخبيث الذي أصاب والدتها منه ثلاثة أعوام وأودى بحياتها.

تقول لمى «لا تزال ذاكرتي حاضرة حينما ذهبت مع أمي الى الطبيبة النسائية بعد أن شعرت باختلافات عديدة بين ثدييها، فبدا أحدهما متورما وكبيرا مقارنة مع الأخر بالإضافة الى خروج الدم من الحلمة وتغير شكلها وظهور الانكماشات فيها فاصبح كقشرة البرتقال،وعلى الفور وبعد معاينة الطبيبة لأمي طلبت منها عمل الفحص الشعاعي للثدي الذي كشف عن إصابتها بالمرض».

خيم الصمت على المكان، وبدموع لا تكاد أن تتوقف وبصوت متنهد لا يكاد يسمع تابعت لمى «حينما علمت أمي بالنتيجة لم تتمالك أعصابها وخاصة بعد أن تم سحب الخزعة من الكتلة ليظهر أن الورم خبيث، وقد وصل الى مرحلة متقدمة، وصلت الى الغدد الليمفاوية، فوجهها بدا مصفرا ويداها كانتا ترتعشان بشكل لافت وبنبرة حزينة، قالت لي: سأموت قريبا، نعم سأموت قريبا».

تتنهد لمى بعمق، وتقول «كانت أمي تستطيع أن تنجو لو أنها ذهبت الى الطبيبة منذ بداية ملاحظتها للكتلة في صدرها، فكثرة إنشغالاتها والتزاماتها بالعائلة جعلتها لا تلتفت لذاتها فهي لم تكترث وظلت تؤجل الأمر الى أن كبرت الكتلة، وتقدم بها المرض وأصبح شفاؤها مستحيلا، وها قد خسرناها للأبد».

وتبين بأن: «أمر العلاج كان صعبا على أمي للغاية «فبعد إستئصال الثدي وتعرض أمي لجلسات الكيماوي التي كانت كنار حامية تسري في عروقها لتحرق كل جزء من جسدها، وأصبحت الأوجاع والالام لا تفارقها، فالصداع كان لا يفارقها عقب جلسات الكيماوي والأشعة وفي كثير من الأحيان كانت لا تقوى على فتح عينيها ولاحقا أصبحت عاجزة عن الحركة ولا تستطيع تناول الطعام وبعد فترة قصيرة أضحت طريحة الفراش وقد تساقط شعرها الى أن وافتها المنية».

لا يختلف حال « أم لمى « عن حال كثير من السيدات اللواتي لم يتنبهن للمرض الا بعد وصوله الى مراحل متأخرة، فاكتشاف المرض في مراحله الأولى هو أهم الأسباب التي تعين على الشفاء منه، وهو بعكس ما حصل مع « أم لمى « اذ اكتشفته في مرحلة متقدمة أدى الى وفاتها.

ووففا للأطباء والمختصين بالمرض فإن نسبة الشفاء من مرض سرطان الثدي تصل الى أكثر من 90% اذا ما تم إكتشافه في المراحل الاولى، والثانية من المرض، فاكتشافه في المراحل الاولى يمنع إنتشار الورم ويقلل فترة العلاج، وكلما تأخر الكشف عن المرض ووصل الى مراحل متاخرة فإن نسبة الشفاء تقل الى ما دون 16% وينتشر الورم الى الأعضاء الأخرى في الجسم وتطول فترة العلاج.

ويعرف رئيس قسم مكافحة السرطان ومدير السجل الوطني للسرطان في وزارة الصحة الدكتور عمر النمري سرطان الثدي بأنه: «عبارة عن خلايا غير طبيعية تنشأ في الثدي وتتكاثر بطريقة غير مسيطر عليها ويمكن أن تنتشر في مناطق أخرى بالجسم».

وتشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن السجل الوطني للسرطان في وزارة الصحة الى تسجيل 994 حالة لسرطان الثدي عام 2012 في حين بلغت 952 حالة عام 2011.

الكشف المبكر ينقذ الحياة

سر النجاة من المرض يكمن في الكشف عن المرض مبكرا، وهذا ما حصل مع (ل، ع) في كشفها للمرض بمراحله الأولى، وها هي تجهز لزفافها بعد تعافيها من المرض.

(ل، ع) فتاة في العشرينيات من عمرها، تقول «أحسست بكتلة صغيرة في ثديي،فأخبرت إبنة عمي الطبيبة بما حدث معي، فطمأنتني بأنه لا يوجد لدينا تاريخ عائلي لهذا المرض، الا انها في ذات الوقت طلبت مني التوجه الى طبيبة نسائية للتأكد، فلم أكترث حينها للأمر ولم أذهب لكن بعد ثلاثة أشهر أحسست بأن حجم الكتلة، بدأ يكبر فطلبت من صديقتي الذهاب معي للكشف عنها، وبعد معاينة الطبيبة لي طلبت مني القيام بالفحص لتظهر بعد أيام إصابتي بالمرض».

وتتابع «في تلك اللحظات رافقني اليأس لأيام عدة ولم أذق طعم النوم فيها، واقتصر تفكيري حينها بأن شبح الموت بات يقترب مني شيئا فشيئا، الا أن عائلتي ساندتني ووقفت إلى جانبي فلا زلت أذكر عباراتهم لي بأن أهزم المرض ولا أدعه يهزمني فكانوا لي خير عون وسند».

وتذكر(ل، ع) بأنه «تبين أنني في المرحلة الثانية من المرض وتم اسئصال الكتلة فقط لا الثدي كوني في المراحل الأولى للمرض، ولاحقا مررت بثماني جلسات علاج كيماوي وشهر لجلسة الأشعة».

وتضيف «ها أنا الآن وبعد التشخيص والعلاج تخطيت الأمر وأصبحت أكثر قوة وإرادة فلم يعد لهذه المرض أي وجود في داخلي والحمد لله، فقد هزمت المرض وقضيت عليه وقد شفيت منه منذ أربع سنوات إلا أنني لا زلت أتلقى العلاج المتمثل بالأدوية الهرمونية فقط وبعد عام وشهرين بإذن الله سأتوقف عن أخذها».

الحياة تستحق

وتشدد رئيسة وحدة الكشف المبكر في مركز الحسين للسرطان الدكتورة يسار قتيبة على ضرورة قيام النساء بالمتابعة الدورية للفحص الشعاعي للثدي «الماموجرام» وهو الفحص الأمثل للكشف عن سرطان الثدي ويعد من أدق الوسائل للكشف عن التغيرات التي يمكن أن تحصل في الثدي وتكشف عن حجم الورم وإن كان يقل عن 1 سم.

وتنبه على ضرورة إجراء الفحص الذاتي للسيدات والفتيات ما فوق العشرين عاما بشكل شهري، وأن يتم إجراء الفحص السريري مرة كل سنة الى ثلاثة سنوات للأعمار ما بين الـ (20 الى 39) سنة، والقيام بالفحص سنويا لمن هم فوق الأربعين، وبعد عمر الـ (52) يتم عمل الفحص كل سنتين حتى وفي حال عدم ظهور أي أعراض.

ويدعو الدكتور النمري جميع السيدات بالتوجه الى إجراء الفحص الشعاعي للثدي،فكلما كان التشخيص مبكرا كانت نسبة الشفاء أعلى ويشدد على ضرورة استمرارية متابعة السيدات اللواتي تعافين من المرض لدى الطبيب.

إمكانية إصابة الذكور

تتخطى إصابة النساء بسرطان الثدي الى إصابة الذكور بالمرض، ففي عام 1995 أصيب (م، أ) بالمرض وتم إستئصال ثديه وإزالة الغدد الليمفاوية بإثنا عشر جلسة بالعلاج الكيماوي وخمسة وعشرون جلسة علاج بالأشعة.

وبحسب الاحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة فقد تسجل 14 حالة سرطان ثدي للذكور عام 2012.

العامل الوراثي

لم يخطر ببال (ن، هـ) وهي سيدة في أواخر الثلاثينيات الإصابة بسرطان الثدي بالرغم من إصابة خالتها وأختها بالمرض في الماضي،وطلب الطبيب من العائلة آنذاك بضرورة الالتزام باجراء الفحص الإشعاعي للثدي».

(ن، هـ) تقول «لم ألتزم بتعليمات الطبيب بضرورة الفحص الاشعاعي بعد إصابة خالتي وأختي بالمرض، الا انني وبعد فترة من إصابتهم لاحظت وجود كتلة في ثديي الأيسر فتوجهت على الفور وأجريت فحص الماموجرام لتظهر إصابتي لاحقا بالمرض فراودني الخوف ولم تفارقني الدموع لكن بحمد الله بعد أيام تخطيت هذه المرحلة وبدأت أفكر بالعلاج وسررت عندما علمت أن المرض كان في المرحلة الثانية أي لم يتأخر الأمر ويمكن شفائي منه، وبحمد الله تم إستئصال الورم وأجريت جلسات علاج كيماوي والأشعة، وها أنا الأن على ما يرام وأتابع الفحص الدوري والذي يظهر عدم عودة المرض لي».

يبين الدكتور النمري بأن العامل الوراثي يشكل ما نسبته 7 -10% بمرض سرطان الثدي.

ويذكر بأنه يجب اجراء الفحص في عمر أبكر للنساء اللواتي لديهن عوامل الخطورة كإصابة الأقارب من الدرجة الأولى بالمرض مقارنة بالنساء اللواتي ليس لديهن عوامل خطورة.

الدعم النفسي

وجدت «كاتبة التحقيق» من خلال حديثها مع ناجيات من المرض بأن الأثر النفسي كان يشكل جانبا هاما في مقاومتهن للمرض والتغلب عليه.

(ع، ب) أصيبت بالمرض منذ ثماني سنوات تقول «تلقيت معاملة سيئة من طليقي حينما علم إصابتي بالمرض، فكان يرفض أن يأكل من الطعام الذي أطهوه كوني مصابة بالمرض، وكنت حينها أتلقى العلاج الكيماوي فكان يقول لي: «ان الطعام الذي تطبخينه كالكيماوي الذي تتعالجين به»، ما زاد حالتي سوءا الى أن قررت الإنفصال، وبعدها بدأت حالتي بالتحسن خاصة بعد أن ساندني أبي وأمي وإخواني وأخواتي وأبنائي، وبمساندتهم لي تغلبت على المرض ولم يظهر مرة أخرى والحمد لله».

ويبين نائب رئيس برنامج الرعاية النفسية والإجتماعية ورئيس قسم العمل الإجتماعي في مركز الحسين للسرطان بسام رجائي بأن «خبر الإصابة بالسرطان يشكل أزمة كبيرة تلم بالإنسان، ويمر بأطوار عديدة تبدأ بالإنكار وعدم التصديق في الأسبوع الأول ولحظات الحسرة والحداد في الأسبوعين التاليين».

ويشدد على «أهمية البيئة المحيطة بالمريض في التغلب على المرض، فالاستقرار النفسي وتقبله والوقوف لجانبه تزيد من مقاومة المريض للمرض وبالتالي تزداد نسبة شفائه».

ويذكر أن: «يوجد في مركز الحسين للسرطان جماعة دعم «سند»، وهن مريضات سابقات تم شفاؤهن يقدمن للمريضات الحديثات خبراتهن السابقة في التغلب على المرض والسماع لبعضهن البعض في التعبير عن المشاعر والمشاكل التي يواجهنها».

ويذكر الدكتور النمري بأن «البرنامج الوطني لسرطان الثدي وبالتعاون مع مركز الحسين للسرطان ووزارة الصحة يعمل على توزيع منشورات ودلائل إرشادية تحث على أهمية الفحص المبكر كما يتم القيام بزيارات ميدانية للتوعية بأهمية الكشف المبكر لسرطان الثدي».

ويبين «يعد شهر تشرين الثاني شهر التوعية بأهمية الكشف المبكر لسرطان الثدي عالميا، وشعارنا في هذا العام إنت الحياة.. إفحصي وطمنينا» مشيرا إلى أنه: «وحوالي ست دول في المنطقة ترفع ذات الشعار».

عموما يؤكد الخبراء على اختلافهم والتجارب الواقعية للناجين أن الاكتشاف المبكر نافذة امل كبيرة لعودة المصابات بسرطان الثدي إلى حياة طبيعية.