نوح فيلدمان - أستاذ القانون بجامعة هارفارد وكاتب بموقع بلومبيرغ

لا يوجد سند قانوني يدعم تهديد دونالد ترامب، خلال المناظرة الرئاسية الثانية، بتعيين ممثل ادعاء عام خاص من أجل ملاحقة كلينتون بسبب استخدامها حساب بريد إلكتروني شخصي، مع ذلك يظل هذا التهديد خطيرًا.

تمنح اللوائح الفيدرالية سلطة التعيين للمحامي العام وليس الرئيس من أجل حمايتنا من رئيس يستعين بممثل ادعاء خاص كأداة سياسية.

الفرق بين الأنظمة الديمقراطية الفاعلة الناجحة والأنظمة الضعيفة أو الفاشلة، هو تداول الأحزاب السياسية للسلطة من دون سجن الخصوم الذين يخسرون أمامهم في الانتخابات. ويعني ذلك أحيانًا التجاوز عن سلوك إجرامي محتمل.

ويحمل التاريخ بين طياته قصة ذات دلالة. بعد فصل الرئيس ريتشارد نيكسون ممثل الادعاء العام الخاص أرشيبالد كوكس، خلال مذبحة ليلة السبت، أقرّ الكونغرس، ذو الأغلبية الديمقراطية وقتها، قانون الأخلاقيات في الحكومة عام 1978، الذي تم بموجبه إنشاء مجلس مستقل تقوم بتعيينه هيئة قضائية خاصة، لا الرئيس. وتم تأييد القانون من قبل المحكمة العليا عام 1988، بعد اعتراض القاضي أنتونين سكاليا، وهو القاضي الوحيد الذي قال إن السلطة التنفيذية هي الجهة الوحيدة في الحكومة التي لها حق فتح تحقيق جنائي.

مع ذلك، انتهت مدة العمل بالقانون عام 1999، ولم يتم تجديده بعد ذلك.

بعد انتهاء مدة قانون المجلس المستقل، تبنت وزارة العدل لائحة رسمية تحكم تعيين مجلس خاص، ولا تزال هذه اللائحة معمولاً بها، وتنص على أن المحامي العام، لا الرئيس، هو من له السلطة القانونية لتعيين ممثل ادعاء عام خاص.

وهناك عدة شروط يجب أن تتوافر؛ أولها هو ضرورة أن يحدد المحامي العام صلاحية فتح تحقيق جنائي، ولا يكفي في هذه الحالة قرار أو توجيه رئاسي. أما الشرط الثاني، فهو أن يمثل التحقيق العادي «تعارضًا في المصالح» كأن يكون من الأفضل للصالح العام تعيين مجلس خاص.

الهدف من وراء وضع هذه القيود بسيط، وهو منع الرئيس من استخدام منصب ممثل الادعاء العام الخاص كوسيلة لملاحقة الخصوم السياسيين والتنكيل بهم.

مثل هذه الأمور مهمة حتى يعمل النظام الديمقراطي بكفاءة. وكما لاحظ علماء السياسة منذ فترة طويلة، يعتمد النظام الديمقراطي بالأساس على التغيير السياسي، فعندما تتبادل الأحزاب الحكم وتتداول السلطة بعد إجراء انتخابات، يسمح الفائز للخاسر بالاستمرار في العمل من موقع المعارضة، وبالترشح سعيًا للوصول إلى الحكم مرة أخرى.

تداول السلطة هذا يعني أن الفائزين لا يزّجون بخصومهم في السجون. وإذا فعلوا، أو إذا خشي المنافسون أن يتم سجنهم، سيتلاشى الدافع لتقبل الهزيمة، وسيتجه الخاسرون الذين يواجهون هذا الموقف إلى إثارة مقاومة شعبية واسعة النطاق، أو تنظيم انقلابات عسكرية. لذا، يعد تداول السلطة هو ما يميز الأنظمة الديمقراطية الراسخة عن غيرها من الأنظمة الضعيفة أو الفاشلة.

قد يبدو من التطرف والمغالاة القول إن تعهد ترامب بمقاضاة هيلاري كلينتون يهدد تداول السلطة في الولايات المتحدة. ففي النهاية، النظام الديمقراطي الأميركي نظام راسخ جدًا. ومع ذلك، تراجع رؤساء آخرون إلى الخلف تفاديًا لتلك الملاحقات القضائية، إلى حد التغاضي عن سلوك غير قانوني. ويعد عفو جيرالد فورد عن ريتشارد نيكسون مثالاً جيدًا، رغم أن الاثنين كانا ينتميان إلى الحزب نفسه.

لقد حكم فورد بأنه لا يمكن خدمة الجمهورية جيدًا بمقاضاة رئيس سابق.

ولم يسع جورج بوش الابن إلى مقاضاة بيل كلينتون بسبب شهادته الزور، رغم أنه كان قادرًا على فعل ذلك من الناحية القانونية.

في كلا المثالين السابقين كانت هناك أسباب سياسية أخرى تدفع باتجاه تفادي المقاضاة، مع ذلك كان السبب المهيمن هو رغبة كل رئيس في الهروب من شبح استخدام السلطة التنفيذية في ملاحقة الخصوم أو الرؤساء السابقين.

ويوضح هذا أنه حتى في الولايات المتحدة، تعلو القيمة الديمقراطية المتمثلة في تداول السلطة على تحقيق العدالة الجنائية. ويوضح تهديد ترامب بسجن كلينتون أنه لا يقدّر هذا المبدأ. لذا، حتى إذا لم يتم انتخابه، سيظل هذا الرأي خطيرًا. - الشرق الاوسط