سالي ويليامز

على اللاجئين السوريين أن يرسلوا أبناءهم إلى مدارس منفصلة، ويدفعون أجور سكن باهظة، ويخاطرون بالعمل غير القانوني، فاللاجئون السوريون في المفرق استبدلوا المشكلات التي كانوا يعانون منها في بلادهم إلى مشكلات جديدة هنا، لكن حتى السكان المحليين يعانون أيضا.. فكيف يمكن لهم أن يتحملوا هذا العدد الكبير من الوافدين الجدد؟.

مدينة المفرق بلدة حدودية في الصحراء الشمالية للأردن، قريبة من الحدود السورية، وهي على بعد ساعة بالسيارة عن العاصمة الأردنية عمان، لكنها ليست منطقة سياحية، مثل البتراء، وليس فيها سينما، ولا مسرح، ولا مرافق رياضية، المفرق (مدينة منسية) كما وصفها أحد سكانها السابقين.

وتتغير الأمور الآن، فعندما بدأت الثورة السورية قبل خمس سنوات كان عدد سكان المدينة 60 ألفا، ويصل عدد سكانها الآن إلى 138 ألفا، وعدد السوريين الذين يعيشون في المفرق و20 قرية حولها يصل إلى 288 ألفا.

فالسوريون الفارون من الحرب زادوا عدد سكان الأردن بنسبة 10%، وهو ما يساوي انتقال جميع سكان فنلندا إلى المملكة المتحدة، وكانت المفرق أكثر مدن الأردن تغيرا، حيث صار عدد اللاجئين فيها أكبر من عدد السكان الأصليين، ولا يمانع السكان المحليون مشاركة مدينتهم، لكن كيف ستتسع للقادمين كلهم؟.

عندما وصلت إلى الأردن التقيت بالدكتور علي الشديفات، البالغ من العمر 68 عاما، وهو مسؤول مساعدات، ورجل أعمال، وضابط سابق في الجيش الأردني، وأب لسبعة أفراد، ويشغل الآن منصب رئيس فرع الهلال الأحمر في المفرق، التقينا أول مرة قبل أربع سنوات، عندما كنت في الأردن أكتب عن اللاجئين السوريين، وكان تدفق اللاجئين إلى المفرق وصل إلى مستويات الطوارئ، حيث كان يصل المئات كل ليلة، يقطعون الحدود على الأقدام، محاولين قدر إمكانهم تجنب نيران القناصة.

وكان الشديفات يصحو في الصباح ليجد عائلات جديدة قد خيمت في الشوارع،. كانت فترة صعبة، فهناك حاجة لمساعدة الكثير من الناس، والأموال المتوفرة محدودة، وليس هناك ما يكفي من الخيام، وأخبرني وقتها قائلا: (نعمل 24 ساعة في اليوم أحيانا)، وكان اللاجئون السوريون في وقتها يقولون سنعود إن شاء الله عندما ينتهي القتال.

اليوم يبدو شديفات رائق المزاج، مع أن حركته أصبحت أبطأ؛ بسبب جلطة أصابته العام الماضي، وقال لي: (هل تذكرين؟ قلت لك إن الأزمة تحتاج لعام.. وكان الناس يضحكون ويقولون ستنتهي خلال شهرين).

انتقل مكتب الهلال الأحمر فرع المفرق إلى بناية أكبر، وقام بتوظيف المزيد؛ لأن الأزمة أصبحت طويلة الأمد، وعندما طلبت من الشديفات أن يشرح لي التغيرات في المدينة، قال: (طوابير الخبز والقمامة والمدارس).

وعندما وصلنا في اليوم التالي إلى مدرسة ثانوية في حي الحسين في المفرق، في الساعة الواحدة والنصف، كان الطلاب يصطفون، كما هو الحال في أي مدرسة أردنية، حقائبهم ملقية على الأرض، ويقومون ببعض التمارين، ثم ينشدون النشيد الوطني، ويهتفون بحياة الملك، ثم يطلب من بعضهم قراءة آيات من القرآن.

هذا مشهد عادي في أي مدرسة أردنية، لكن المفاجأة هو أن الطلاب ليسوا أردنيين، بل إنهم سوريون، معظمهم من حمص، فالمدارس تعمل على فترتين؛ الفترة الصباحية (8:30- 12:30) للطلاب الأردنيين، والفترة المسائية (1:30- 4:30) للطلاب السوريين، حيث صدر عن الحكومة أمر للمدارس باستيعاب الطلاب السوريين، بحسب ما قاله مشرف في مديرية المفرق، مشيرا إلى أن التعليم يتم منفصلا؛ بسبب الاختلاف في العادات والتقاليد.

يقول المشرف إن هناك 43 مدرسة في محافظة المفرق، تدرس 15 إلى 16 ألف طفل سوري، يقوم بتعليمهم 800 أستاذ جديد، لافتا إلى أن الثمن هو فصول قد يصل العدد فيها إلى 80 طالبا، وساعات مدرسية قصيرة للطلاب الأردنيين، حيث كانت الساعات في العادة 8:30- 2:30.

رغم أن الأردن بلد صغير، (عدد سكانه 9.5 مليون، ومصادره الطبيعية محدودة، وليس غنيا بالنفط، كجارته السعودية، والماء لديه قليل) إلا انه استوعب مئات الآلاف من اللاجئين من الصراعات الماضية، فاستوعب حوالي مليون لاجئ فلسطيني عامي 1948 و1967، وخلال حربي الخليج، مشيرة إلى أنه يعيش في الأردن الآن أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني، و55 ألف عراقي، وحوالي 670 ألف لاجئ سوري، يعيش 85% منهم في المدن والبلدات، لكن يعيش حوالي 100 ألف في مخيمات لاجئين، وهم مركز الاهتمام.

ويحصل اللاجئون في المخيمات على نصف مليون رغيف، وخمسة ملايين لتر من الماء يوميا، أما اللاجئون الذين يعيشون في المدن، فوضعهم أسوأ، إنهم اللاجئون المنسيون.

الكاتب والشاعر الأردني، أمجد ناصر، يعيش في لندن، ونشأ في المفرق، ووالده ضابط في الجيش، يتذكر عندما جاء الفلسطينيون عام 1967، ويقول: "كان علينا أن ندرس على فترتين، وهذا ما يحصل الآن، لكن الأعداد أكبر".

ناصر عاد إلى المفرق ليزور عائلته، بعد غياب 30 عاما، لكنه لم يعرف البلد الذي نشأ فيه، حيث تغير كثيرا، فهناك أحياء جديدة، وشوارع جديدة، وشوارع قديمة لم تعد موجودة، ومدينة جديدة تتمدد على الأطراف القديمة، وبيت عائلته في حي الضباط، الذي لم يكن يوجد بعده سوى بعض القواعد العسكرية، لكنه اليوم أصبح محاطا بمشاريع بناء للسوريين الذين يستطيعون دفع الثمن.

واليوم اصبح سعر الدونم الواحد من الأرض 150 ألف دينار بعدما كان بحدود 300 دينار أردني. - ديلي تلغراف