بقلم: ناحوم برنياع

لو كان رئيس الولايات المتحدة ينتخب في لجنة تعيينات مهنية، لكانت نتائج المواجهة بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب واضحة كالشمس: كلينتون، بالضربة القاضية. في ختام تسعين دقيقة من المداخلات القاسية، المشحونة، كان واضحا تماما من بين الاثنين اكثر أهلية لقيادة أمريكا.

وفي الغداة، بعد بث متكرر للحظات الذروة في المواجهة، تأكد الفهم أكثر فأكثر. من بين الاثنين واحدة فقط مؤهلة للمنصب. أما ترامب فقد فشل فشلا ذريعا.

وعندها جاء دور المعاذير: الميكروفون لم يكن على ما يرام، لم يكرس وقت كاف للاستعدادات، السلامة السياسية مست بالرسالة، مدير الندوة لم يكن عادلا، أكلوا لي، شربوا لي.

ولكن محظور علينا أن نتشوش: فالسؤال كم ستؤثر هذه المواجهة على نتائج الانتخابات في تشرين الثاني، او هل ستؤثر على الاطلاق؟ الجواب مفتوح تماما. فثمة الكثير من الوقت والكثير من الجهات المشاركة وبالاساس: هذه انتخابات استثنائية جدا. في هذه الانتخابات معظم الناخبين معادون للمرشحين الاثنين. والاصوات الطائشة لا تتراوح بين اختيار واختيار بل بين رفض ورفض. يمقتون كلينتون لانها سياسية، فهي واشنطن المكروهة، تحمل على ظهرها رزمة ثقيلة من الارتباطات والاكاذيب؛ وهم يمقتون ترامب لانه فظ الروح، عنصري ويكره النساء، ولانه غير أهل للمنصب على نحو ظاهر. من الصعب أن نعرف من سيكون العنوان النهائي للغضب، كلينتون أم ترامب، والمصوتون من أي معسكر سيقررون البقاء في البيت بجموعهم.

المواجهة الانتخابية ليست مباراة رياضية. فهي أداة تسويق. الهدف ليس الانتصار بل تجنيد الزبائن – نقل الناخبين من معسكر ما الى المعسكر المضاد، اقناع الناخبين غير المكترثين بالوصول الى صندوق الاقتراع، اقناع ناخبي المعسكر المضاد بعدم الوصول الى صندوق الاقتراع، رفع مستوى حماسة النشطاء، خلق زخم ايجابي في وسائل الاعلام. الانتصار في المواجهة يمكن أن يجدي؛ الانتصار في المواجهة يمكن أن يكون سهما مرتدا، يشعل الطرف الخاسر، ينوم الطرف المنتصر، يولد اعتدادا زائدا واخطاء استراتيجية.

تكبد ترامب هزيمة اليمة على نحو خاص بسبب الصورة التي خلقها لنفسه، صورة المنتصر الدائم. فنزعة الانتصار هي عنصر مركزي في وصفته: الاخرون ينتصرون لانهم جيدون اما هو فهو جيد لانه ينتصر. اما الفشل في المواجهة، بل وأمام إمرأة، فمؤلم على نحو خاص كمرشح من هذا النوع.

ولكن المواجهات هي مجرد مواجهات. قبل أربع سنوات باقل من اسبوع جرت المواجهة الاولى في الانتخابات للرئاسة. جاء الرئيس اوباما الى المواجهة وهو تعب، مشتت ومنهك. اما ميت رومني، خصمه الجمهوري فقد انتصر انتصارا عظيما. كان هناك خبراء قدروا بأن الامر حسم، وان السباق للرئاسة انتهى. اوباما فكر بشكل مختلف، انتصر في المواجهة التالية وامتطى الزخم حتى الانتصار في صناديق الاقتراع.

كانت، بالطبع، ايضا مواجهات حسمت الانتخابات، او للاسف هكذا ينظر اليها في الذاكرة الجماهيرية. ريتشارد نكسون وجون كيندي خاضا المواجهة التلفزيونية الاولى، في 1960 بدا كيندي في الكاميرات منتعشا، طليق اللسان، انيقا، رجل الاحلام. اما نكسون فبدا غير حليق، يتعرق، غير مرتاح. في نظر معظم المشاهدين للبث التلفزيوني كيندي انتصر؛ في نظر معظم المستمعين للمواجهة في الاذاعة نكسون انتصر. في الـ 56 سنة مرت منذئذ، استعبد الامريكيون لقوانين اللعب التلفزيوني. ليس مهما ما تقوله، مهم كيف تظهر.

فريد زكريا، من كبار المذيعين السياسين في أمريكا، أجرى لقاء معي قبل بضع سنوات في قناة تلفزيونية. بعد المقابلة قال لي: "عشرات السنين وأنا افعل هذا، وفي كل هذه السنين تلقيت ردود فعل قليلة جدا عن مضمون اقوالي، ولكن الكثير من ردود الفعل عن لون ربطة عنقي. في النهاية هذا ما تبقى".

في اثناء المشاهدة للمواجهة الحالية أغلقت بضع مرات مكبر الصوت، وركزت على الصورة. كلينتون وقفت منتصبة القامة ومركزة، كما يتوقع من رئيسة، من رئيس دولة؛ كانت فيها هيبة. لغة جسد ترامب كانت عديمة الراحة، وعيناه تراقصتا؛ ربطة عنقه كانت طويلة؛ وبين الحين والاخر كان يحتسي الماء (اما هي فلم تلمس الكأس)، وصرخ في الميكروفون.

فعلت العكس ايضا: أنزلت عيني عن الشاشة وركزت على الاصوات. تحدثت هي ببطء وبشكل مرتب. اما هو فكرر المرة تلو الاخرى ذات الشعارات الاربعة، غرد أكثر مما تحدث.

قوانين اللعب التلفزيونية، التي كانت حتى أول أمس سلاح ترامب، ثارت عليه لافشاله. شيء واحد هو أن تقول جملة هنا، جملة هناك، بين عشرين مرشحا مفزوعين، او أن تتملك وحدك على المنصة، محوط بالمعجبين؛ وشيء آخر هو أن تقف 90 دقيقة على منصة امام خصم مستعدة ومعللة. الكاميرا يمكنها أن تكرم؛ الكاميرا يمكنها أن تهين.

أكثر ترامب من الحديث عن نفسه، عن اعماله التجارية، عن نجاحاته: هذا موضوع مستحب له. ولكن ليس كل ما ينجح في برنامج تلفزيوني للواقع ينجح في مواجهة انتخابية. أكثر ترامب جدا من الحديث عن نفسه بحيث فوت الفرصة للاشارة الى نقاط ضعف كلينتون.

فحص باحثون نشطاء كنز الكلمات لدى ترامب. وحسب مقال نشر هذا الاسبوع في مجلة "اتلنتيك" فان ترامب يتحدث بمستوى لغة الصف الرابع. وعندما يريد أن يثير الانطباع لدى سامعيه عن معارفه، مثلما تطلب منه الامر في الاسابيع الاخيرة، فانه يقرأ نصوصا مكتوبة من على الشاشة.

غير أنه في المواجهات لا توجد شاشات. ما لم تتعلمه لن تعرفه.

احد الوزراء قال لي امس انه واثق بان اسرائيليا واحدا على الاقل شاهد المتواجهين وفكر لنفسه: "أنا كنت سأنتصر عليها بسهولة شديدة". صحيح، قلت له، ترامبنا اكثر كفاءة من ترامبهم. فهو أكثر ثقافة، أكثر طلاقة في الانجليزية، أكثر تعليلا، أكثر نشاطا. أنا لست واثقا من أنه كان سينتصر، ولكنه لا بد كان سيقدم نزالا جديرا. - يديعوت - 28/9/2016