الكل يبحث عن تحقيق النمو الاقتصادي، فمن خلال النمو تحقق الدول الرفاه والأستقرار لرعاياها، كما إن النمو يساهم بتحقيق الأستقرار الأجتماعي وبالتالي تحقيق الأمن والامان على المدى البعيد. لكن تحقيق النمو ليس بالأمر السهل، فهناك شروط لتحقيق النمو ترتكز بشكل أساسي على توفر الموارد (البشرية أو الطبيعية) والأستقرار السياسي والأمني واستقرار التشريعات وغيرها.

أردنياً كان النمو هاجس جميع الحكومات المتعاقبة، حيث كانت الخطط التنموية في النصف الثاني من القرن الماضي يتم تنفيذها بشكل أساسي لأنشاء بنية تحتية وتحقيق النمو والمحافظة عليه، ومع نهاية القرن الماضي وبداية القرن الجديد تحول شكل الخطط إلى برامج إصلاحية بإشراف صندوق النقد الدولي، وهي برامج تم اللجوء إليها بسبب تضخم المديونية وتباطؤ النمو والنمو السكاني السريع والظروف السياسية المضطربة التي عاشها الأقليم خاصة بعد حرب الخليج الثانية.

لكن الأعتماد على برامج الأصلاح غير كاف، فهي برامج تعمل وفق منهج يستهدف بشكل أو باخر جيب المواطن لتغطية العجز وسداد المديونية عبر رفع الدعم وزيادة الأسعار وتوسيع الوعاء الضريبي باتجاه الطبقة الوسطى. إن استمرار الأعتماد على هذه السياسات الاقتصادية التي عنوانها جيب المواطن سوف تؤدي بنا للأفلاس وازمات اقتصادية خانقة. لكن أين الحل؟

عند النظر في تجارب بعض الدول النامية التي وصلت إلى مستويات نمو عالية ومستقرة مثل ( ماليزيا وسنغافورة والبرازيل) نجد اننا نشترك ببعض ظروف تلك الدول (الحجم وعدد السكان والموقع الجغرافي)، فقد انطلقت ماليزيا نحو التقدم والنمو عبر الصناعة، معتمدة في ذلك على اليابان، واحداث ثورة تعليمية، وتأسيس مركز مالي متقدم. كذلك الأمر بالنسبة لسنغافورة التي عرفت سابقاً كميناء لشركة الهند الشرقية، فقدانطلقت من الصفر، حيث ركزت على التعليم وتعزيز موقعها كمنصة تصدير اقليمية، وجذب الصناعات الألكترونية من خلال خفض الضرائب وتوفير أيد عاملة مؤهلة. كما إن البرازيل وبعد سنوات من المعاناة من حكم العسكر حتى نهاية الثمانينيات، حققت هي الآخرى نقلة نوعية، فقد تحولت من مجتمع زراعي متخلف إلى مجتمع صناعي وخدمي متقدم، كنتيجة لعملية إصلاح شاقة بدأت بالتشريعات الناظمة للحياة السياسية، ثم بإصلاح الاقتصاد وتوفير قوانين تشجع الأستثمار، والعمل على استثمار علاقاتها السياسية لفتح أسواق جديدة وجذب الأستثمارات.

يمكن تلخيص تلك التجارب من خلال ثلاث نقاط ( التعليم، الصناعة، والبيئة السياسية والأستثمارية والعلاقات الدولية). فالتعليم هو الضمانة الأساسية لتوفير إيد عاملة مؤهلة ومدربة، وتوفير كوادر بشرية محترفة تدير عمليات التصنيع والأستثمار، وهذا المجال لا ينقص الأردن مؤسسات تعليمية قادرة على تهيئة جيل قادر على تحمل المسؤولية بشرط توجيه التعليم بمختلف مراحله نحو التعليم التقني والفني بدل الأكاديمي. كما إن الصناعة هي عصب الاقتصاد، بغياب الصناعات المؤثرة ستبقى الدولة تعتمد على الأستيراد وضخ عملة صعبة للخارج، والأصل إن يتم تنشيط الصناعة والتركيز على الصناعات المطلوبة محلياً وأقليمياً، ولا يمكن نجاح الصناعة دون دعم ورعاية من خلال الأعفاء الضريبي والبنية التحتية والقضاء على الروتين الحكومي. أما الجانب التشريعي فقد قطعنا شوطاً كبيراً لا يمكننا خسارة نتائجة، بل مطلوب تعزيز السمعة الطيبة للأردن كبيئة جاذبة للأستثمار وليس طاردة له! وفي جانب العلاقات الدولية فالأردن يتمتع بأحترام دولي كبلد مستقر ومحب للسلام ومحايد ضمن الصراعات الأقليمية.

أخيراً، هل نحن قادرون على الأستفادة من تجارب الآخرين وخاصة التجارب الثلاث اعلاه، نعم يمكن ذلك فلدينا جيل مؤمن إن الأصلاح والنهضة ضرورة حتمية، فالمستقبل ينذر بتراجعات جديدة للأقتصاد العالمي، وبدون تقوية للأقتصاد الداخلي من خلال الأعتماد على الموارد المحلية، فإننا سنبقى عرضة لنكسات اقتصادية قوية.

Yar19942013@gmail.com