قضية
كتبت – سمر حدادين - التزام حكومة عون الخصاونة بإنجاز قانون الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات، يضع أمامها نقاطا أساسية ينبغي أن لا تتغاضى عنها عند إقرار القانون، الذي تنتظره الأطياف السياسية والأردنيون كافة، حيث يرون فيه أساس الوصول إلى انتخابات نزيهة.
فعلى أهمية شكل الهيئة الذي ستقره الحكومة فإن مسالة اختيار الشخصية التي سترأسها يشكل عنوانا رئيسيا لمدى تمتع الهيئة المنتظرة بالاستقلالية والقوة باتخاذ القرارات وامتلاكها لصلاحياتها التي يفوضها القانون لها.
فوفقا لمراقبين ومختصين بالشأن الانتخابي فإن الشخصية التي سيقع الخيار عليها ينبغي أن تحظى بثقة شعبية وحكومية، وتحظى بقبول واحترام الاتجاهات السياسية المختلفة كي تنجح بمهمتها، وأن تكون معروفة على مستوى الوطن ولديها القدرة على استنباط بواطن القوة والضعف في مسيرة الأردن.
ويرى هؤلاء أنه ينبغي أن تمتلك رؤية للإصلاح وجرأة وشجاعة على اتخاذ القرارات وإيمانا بمنظومة حقوق الإنسان، وعلى إطلاع واسع بالوضع السياسي، فلا يكفي أن تكون شخصية تنفيذية أو إدارية كي تمتلك عناصر النجاح في مهمتها.
 اختيار شكل الهيئة من الأمور التي تحدد نية الحكومة بالوصول إلى انتخابات نزيهة ترسخ الديمقراطية وتؤسس لحياة سياسية ناضجة، تمكن كل سلطة من القيام بدورها وفق ما نص عليه الدستور.

ويبدو واضحا من كلام رئيس الحكومة عون الخصاونة أن الاتجاه هو الاستفادة من تجارب دول مثل فرنسا وأسبانيا وألمانيا، تلك الدول التي اختارت أشكال إدارة انتخابية مختلفة.
وتتخذ كل من فرنسا وأسبانيا وفق الكتاب الصادر عن المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات تحت عنوان (أشكال الإدارة الانتخابية)، شكل الإدارة الانتخابية المختلطة ولها مكونان رئيسيان يشكلان تركيبة مزدوجة للإدارة الانتخابية، حيث نجد هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية تعنى بوضع السياسات الانتخابية العامة والإشراف على الانتخابات (كالهيئة الانتخابية العاملة في ظل الإدارة المستقلة)، ونجد بموازاة ذلك هيئة انتخابية تنفيذية تعنى بتنظيم الانتخابات وإدارة الفعاليات الانتخابية وتتبع لإحدى الوزارات أو للسلطات المحلية (كما هي الحال في الإدارة الانتخابية الحكومية).
وفي ظل هذا الشكل تقوم الإدارة الحكومية بتنظيم وتنفيذ العمليات الانتخابية، وذلك بإشراف من قبل الإدارة المستقلة.
في حين أن ألمانيا تتبع نموذج الإدارة الانتخابية الحكومية، إذ تقوم هذه الإدارة السلطة التنفيذية على تنظيم العمليات الانتخابية، وذلك من خلال إحدى الوزارات (كوزارة الداخلية مثلاً) و/أو من خلال سلطاتها المحلية.
وعادةً ما يقف على رأس الإدارة الانتخابية الحكومية العاملة على المستوى الوطني أحد الوزراء أو الموظفين الحكوميين، وتكون مسؤولة في كافة الحالات أمام أحد الوزراء الأعضاء في السلطة التنفيذية. وباستثناء بعض الحالات القليلة لا تتألف هذه الإدارة من أعضاء، وتقع ميزانيتها ضمن ميزانية إحدى الوزارات أو السلطات المحلية.لكن الاستفادة من تجارب الدول لا يعني بالضرورة عدم ربطه بالنموذج الأردني والحالة الأردنية بالعموم.
فالذاكرة الأردنية فيما يتعلق بالانتخابات ما زال عالق بها حالات التزوير التي جرت بالانتخابات النيابية الأخيرة، ما يجعل القوى السياسية ترغب بالهيئة المستقلة بالانتخابات مدعومة بذلك بالنص الدستوري الذي يؤكد استقلالية الهيئة.
وتعني الإدارة الانتخابية المستقلة أن تقوم على تنظيم وإدارة انتخاباتها هيئة مستقلة تعمل كمؤسسة منفصلة كلياً عن السلطة التنفيذية ولها ميزانيتها الخاصة بها والتي تقوم بإدارتها بشكل مستقل.
وفي ظل هذا الشكل لا تتبع الإدارة الانتخابية لأية جهة ولا تكون مسؤولة أمام أية وزارة أو إدارة حكومية، إلا أنها يمكن أن تكون مسؤولة أمام السلطة التشريعية (البرلمان) أو القضاء أو رئيس البلاد.
ويمكن أن تتمتع الإدارات الانتخابية المستقلة بمستويات مختلفة من الاستقلالية الإدارية والمالية، ومستويات مختلفة من المسؤولية العامة عن نشاطاتها. وتتألف هيئة الإدارة الانتخابية المستقلة من أعضاء لا يتبعون للحكومة أثناء عملهم في الهيئة الانتخابية.
والكثير من الديمقراطيات الناشئة قد اعتمدت هذا الخيار في تأسيس إداراتها الانتخابية. ومن البلدان التي تعتمد خيار الإدارة الانتخابية المستقلة كل من أرمينيا، أستراليا، أستونيا، أندونيسيا، أورغواي، بوركينافاسو، البوسنة والهرسك، بولندا، تايلاند، جنوب أفريقيا، جورجيا، فلسطين، كندا، كوستاريكا، ليبيريا، موريشيوس، نيجيريا، الهند واليمن.
فعلينا اجتراح النموذج الأردني من تجارب الدول التي سبقتنا في هذا الشأن، فعلى سبيل المثال، يمكن الاستفادة من هذه الدول بطريقة انتقاء الأعضاء، والتي تتم في فرنسا عبر رئيس البلاد والبرلمان بمجلسيه، فيما في أسبانيا عبر مجلس القضاء الأعلى والأحزاب.
فيما رئيس الإدارة يعين في فرنسا من خلال رئيس البلد وفي أسبانيا ينتخبه مجلس الانتخابات، وتضم تشكيلته الذي يصل عددها في هذه الدول إلى 9 أعضاء، من خبراء مستقلين، بمدة عضوية تتراوح ما بين 4-9 سنوات.
أما الدول التي تتخذ الإدارة شكل الإدارة المستقلة لهيئتها، فإن انتقاء أعضاء الهيئة يتم عبر البرلمان أو السلطة القضائية، وتعيين رئيس الهيئة إما انتخابا أو من قبل رئيس البلاد في بعض الدول التي اختارت هذا الشكل.
وبشكل أساسي الأخذ بالاعتبار عنصر الحياد والاستقلالية في تركيبة الهيئة، وتعطى الضمانات الكافية للاستقلالية بعيدا عن أي تأثيرات حكومية أو خارجية أو أي توجهات سياسية وحزبية، على أن تتمتع الهيئة بشخصية اعتبارية مستقلة من مقر خاص بها وموازنة محددة لها، ويتمتع الأشخاص بها بالحصانة.
وتُعرّف الإدارة الانتخابية على أنها المؤسسة أو الهيئة المسؤولة قانونياً، والتي يتحدد الهدف من قيامها بإدارة بعض أو كافة الجوانب الأساسية لتنفيذ العمليات الانتخابية والاستفتاءات على مختلف أشكالها.
وتشمل الجوانب الأساسية تحديد أصحاب حق الاقتراع؛ استقبال واعتماد طلبات الترشيح للانتخابات من قبل الأحزاب السياسية و/أو المرشحين؛ تنظيم وتنفيذ عمليات الاقتراع؛ عدّ وفرز الأصوات؛ تجميع وإعداد نتائج الانتخابات.
يتحلى كل واحد من أشكال الإدارة الانتخابية الثلاثة بخواص أساسية، بالإضافة إلى العديد من المتغيرات ضمن كل منها. ولا تعتمد طريقة عمل الإدارة الانتخابية على الشكل الذي تنتمي إليه فقط، إنما على عوامل أخرى تتعلق بالإطار العام للانتخابات، والسياق الاجتماعي،والثقافي والسياسي المحيط بها.
وبصرف النظر عن شكل الإدارة الانتخابية، تحتاج هذه الإدارة لتطبيق بعض المبادئ العامة الأساسية في عملها، بما في ذلك استقلالية القرار والفعل، والحياد، والتراهة، والشفافية،والكفاءة، والمهنية والخدمة.
وأظهر الاستطلاع الذي قامت به المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات سنة 2006م في 214بلداً والأقاليم التابعة لها، بأن 55 % منها تعتمد الإدارة الانتخابية المستقلة بينما تعمل 26 % بالإدارة الانتخابية الحكومية و15 % بالإدارة الانتخابية المختلطة. أما بقية البلدان والأقاليم التي تبلغ نسبتها 4 % فهي لا تنظم انتخابات على المستوى الوطني.
ومن الأمور المهمة التي يتعين على الحكومة التنبه لها عند وضع القانون تتعلق باتخاذ القرارات العملية الانتخابية والتنسيق مع الجهات المعنية والاستعانة بالعاملين بمؤسسات الدولة في إجراءات الاقتراع والفرز.
فعلى المشرع توضيح كيفية تكليف الجهات الرسمية بتنفيذ القرارات المتعلقة بالعملية الانتخابية، لأن عدم توضيحها قد يعطي للموظف الحكومي التحرر وعدم تنفيذ القرار، وبذلك يصبح من الصعب على الهيئة إدارة الانتخابات، أو يتطلب ذلك تعيين كادر مختص يدير العملية ما يرهق موازنة الانتخابات.
الهيئة المستقلة وكما قال الرئيس الخصاونة مفتاح للحياة الديمقراطية ونزاهة الانتخابات، وهي أيضا بداية للإصلاح السياسي وضمانة لانتخابات حرة نزيهة وفق المعايير الدولية.