بقلم: تسفي برئيل



"أسرع قليلا"، "هكذا؟ أم أسرع؟"، "أسرع وكأنه يسير على الجمر". في نهاية المطاف أصبح الموجه راضيا. نعم، هكذا بالضبط يتذكر الاصوات. يبدو للحظة وكأن الاثنين، مهندس الصوت الذي يحرك صدى الخطوات، وسامر، السجين السابق في سجن صدنايا في سوريا المعروف بفظائعه، ينشغلان في اخراج فيلم وثائقي عن الحياة داخل السجن. إنهما عمليا يعملان على فيلم استثنائي في شكله ومضمونه: اعادة تشكيل مبنى السجن، الذي لم يسبق أن تم تصويره من الداخل. وحياة الأسرى فيه حسب المذكرات التي تشمل الاصوات وليس المشاهد فقط.

المبادرون الى المشروع، جماعة "الارشاد الهندسي" وبالتعاون مع أمنستي، قاموا بعمل موقع ملفت وجذاب يمكن التجول خلاله في أرجاء السجن وسماع شهادات الأسرى الذين تم اطلاق سراحهم والتعرف على التعذيب الذي تعرضوا له. هذه تجربة صعبة تقشعر لها الأبدان. ونتاج لعشرات الساعات من الشهادات التي جُمعت في نيسان من هذا العام، حيث وصف فيها الأسرى السابقون أدق التفاصيل في البرنامج اليومي، وروتين التعذيب ووجبات الطعام، وبشكل خاص وصفوا الاصوات.

يجلس من يُدلون بشهاداتهم الى جانب من يُجرون المقابلة أمام شاشة الحاسوب المتقدمة حيث تظهر رسومات السجن على شكل خطوط عامة، الذي مات فيه 18 ألف أسير، سواء بسبب التعذيب أو بسبب الجوع. لقد قام النظام السوري ببناء هذا السجن في عام 1987 حسب نموذج السجون في المانيا الشرقية. وحسب الشهادات فقد تم منع الأسرى من الحديث أو النظر الى عيون السجانين أو الاقتراب من باب الزنزانة أو الاتكاء على الحائط. ومنذ بداية التمرد السوري في عام 2011 سجن فيه آلاف الضباط والجنود، اضافة الى المواطنين، على اعتبار أنهم أسرى سياسيين.

الضغط على فأرة الحاسوب والانتقال من شهادة الى أخرى ومن زنزانة الى أخرى ومن ممر الى ممر يزيد من فظاعة الوصف. وقوة ذلك تنبع من أنها تشبه الارشاد الجاف حسب الوقائع بدون احساس تقريبا، حيث الهدف الاول هو الوصول الى الارشاد الهندسي بأقصى حد. على سبيل المثال، سُئل أحد من قدموا شهاداتهم حول حجم الفتحة في الباب التي يتم اعطاء الطعام من خلالها للسجناء. الأسير السابق لا يعرف كيفية اعطاء التفاصيل حسب السنتيمترات، لكن توجد له طريقة اخرى "إنها أكبر من رأسي بقليل"، قال. وعندما سألوه: "كيف تعرف ذلك؟" أجاب: "في يوم ما طلب مني السجان اخراج رأسي من الفتحة كي يفهم ما أقول، وبصعوبة تمكنت من اخراج رأسي الذي أغلق الفتحة وكانت رقبتي ملاصقة لاطار الفتحة الحديدي. فقام السجان بالدوس على رأسي وضربي الى أن بدأت بالنزف".

تتم تغطية أعين الأسرى طوال الوقت، لكن آذانهم تكون متحفزة. فمثلا استطاعوا وصف اصوات "اللحم الطازج" الذي وصل الى السجن في الثلاجة المخصصة لتبريد اللحوم، واصوات كسر عظام الأسرى الجدد وصوت الضرب، حيث كانوا يتعرضون لـ "حفل استقبال"، كما يسمي الأسرى ذلك.

مع مرور الوقت بدأ السجناء يميزون بين أصوات أدوات التعذيب المختلفة: العصي المغطاة بالمطاط، والعجلة المقسومة على شكل السيف، وصوت "العجلة" التي يوضع فيها السجين حيث يقوم السجان بشد جسده. وقد كتب المبادرون في مقدمة العرض بأن المبنى نفسه هو جزء من عملية التعذيب. فقد وصف الشهود مثلا كيف أن جميع من في السجن يسمعون اصوات من يتم تعذيبهم بسبب الطريقة التي عُملت بها فتحات التهوية والمواسير وفتحات الأبواب. وما يبدو وكأنه غرفة للطعام يظهر أنه غرفة للتعذيب حيث يقومون باجبار السجناء على الركض ليلا فوق الطاولات والكراسي دون مشاهدة أين يضعون أقدامهم، وبعد ليلة كاملة من الركض يعود معظمهم مع اعضاء مكسورة. ويُحظر عليهم اصدار الاصوات أثناء تألمهم لأن هذا يجلب عقوبة اخرى.

في سنة 2012 نشر معن دحام الخضر، وهو ضابط سابق في الجيش السوري، وأُدين باتصاله مع ضباط عراقيين، وسجن في سجن صدنايا، نشر شهادة مفصلة حول حياة السجن اليومية. وقد ركز في شهادته على كمية الطعام التي يحصل عليها الأسرى. "حبة بطاطا واحدة في اليوم، 2 – 3 أرغفة من الخبز و 2 – 9 ملاعق من الأرز، وكل ذلك لعشرين سجين. بيضة كل يوم باستثناء يوم الاربعاء، قطعة صغيرة من اللحم في يوم الثلاثاء، حبة فاكهة واحدة ثلاث مرات في الاسبوع، 5 – 10 حبات زيتون ثلاث مرات في الاسبوع". الشهادات الحديثة ايضا تؤكد عملية التجويع الفظيعة كل يوم "الى أن ينسى الانسان نفسه وعائلته وماضيه، وفقط يفكر بالوجبة التالية".

جماعة البحث "الارشاد الهندسي" التي يوجد مقرها في جامعة لندن، تهدف الى مساعدة منظمات حقوق الانسان من خلال عرض الاطار الواقعي والثقافي للافعال التي تمس بحقوق الانسان في ارجاء العالم. وهذه طريقة جديدة تحاول التغلب على التناقض في تحليل الوقائع وسيطرة وسائل الاعلام على وصفها. النظرية البحثية التي تقف من وراء هذا المشروع، والتي تربط بين الهندسة والتحقيق القضائي تؤتي ثمارها بنسبة كبيرة، خصوصا لكونها أداة هامة لمساعدة ضحايا الانظمة التي تقوم بالاعتداء على حقوق الانسان. - هآرتس – 5/9/2016