بقلم: اللواء احتياط يعقوب عميدرور

كتب الجنرال في جيش الاحتياط الاسرائيلي يعقوب عميدورر، تحليلا في صحيفة اسرائيل اليوم، رصد فيه التطورات الاخيرة في الشرق الاوسط معتبرا ان المحور العربي السني الذي تقوده السعودية ودول الخليج الاخرى، فشل بتحقيق اي من اهدافه، في الوقت الذي يعزز فيه المحور الشيعي بقيادة ايران نفوذه.

ويرى عميدورر ان الانعاطفة الكبيرة في سياسة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان هي التي لعبت الدور الابرز في تلك النتيجة التي قوت الرئيس السوري بشار الاسد ومنحته الفرصة للبقاء. وفيما يلي ترجمة كاملة لتحليل الجنرال عميدورر:


ثلاثة تطورات هامة تجري في الاونة الاخيرة في الحرب الفظيعة في سوريا، ولتجمعها سيكون تأثير حقيقي على مستقبل الشرق الاوسط: 1.التدخل المتعاظم لروسيا (بما في ذلك الاستخدام قصير المدى للاراضي الايرانية)؛ 2. نجاح قوات التحالف في تقليص الاراضي التي تحت سيطرة داعش ؛ 3. دخول قوات تركية كبيرة للقتال في سوريا، علنيا ضد داعش وعمليا ضد الاكراد في شمال سوريا.

بطبيعة الحال، فان هذه الاحداث عسيرة على الفهم، واصعب من ذلك هو تقدير التطورات بعيدة المدى النابعة منها. ومع ذلك، يمكن منذ الان رسم بعض منها، بشكل حذر. هكذا، مثلا، الرئيس السوري، بشار الاسد، نجا على ما يبدو وسيبقى في منصبه لزمن طويل آخر. وكانت نقطة الانعطافة الخطوة التي بادر اليها الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، لشراء ود روسيا (بما في ذلك الاعتذار).

لما كانت تصفية الحكم الذاتي الكردي هامة للاتراك اكثر من الاطاحة بالاسد، فقد ألغى اردوغان طلبه الاستقالة الفورية للرئيس السوري، كي يتمكن من التعاون مع الروس، المؤيدين للاسد. في الواقع الجديد، لم تتبق أي جهة ذات نفوذ تطالب بتنحية الاسد، ويبدو ان الولايات المتحدة ستبتلع هذا الضفدع ايضا – فليس لديها ورقة حقيقة في المفاوضات التي تجريها مع روسيا على مستقبل سوريا. الرابح الاكبر، كما أسلفنا الاسد، سيبقى في مكانه طالما لم يصف جسديا.

من وجهة النظر التركية يدور الحديث عن صحوة سريعة. لقد اثبت اردوغان مرة اخرى بانه يعرف كيف يتخذ قرارات صعبة وفقا لاحتياجاته الاستراتيجية. فقد عمل سريعا وبلا تردد، لانه فهم بان التهديد الاخطر على وحدة بلاده هو نجاح كردي في خلق نوع من الدولة على طول الحدود القديمة بين سوريا وتركيا. وبالتأكيد اذا ما ارتبط الاكراد باخوانهم في العراق وحركة التنظيم السري الكردي في تركيا (حيث يوجد 10 – 15 مليون كردي من اصل نحو 20 مليون بالاجمال).

يركز اردوغان جدا على تصفية الحلم الكردي، وعليه فبالتوازي مع ارجاء روسيا يساهم ايضا في القتال ضد داعش، كي يتلقى شرعية أمريكية (الولايات المتحدة تتحفظ على القتال ضد الاكراد). وهكذا، عمليا، فان تركيا هي ايضا الرابح الاكبر من التطورات الاخيرة، رغم الهزة التي في محاولة الانقلاب، والتي خرج منها اردوغان أقوى من أي وقت مضى.

بشكل عام، الى جانب المبادرة الحالية ضد الاكراد وداعش، يعزز الرئيس التركي مكانته الداخلية والخارجية معا، حيث أنه لن يتضرر حتى من بقاء الاسد كون هذا يعد خسارة شخصية وليس استراتيجية، ولهذا فانه ليس ذا مغزى.

من هم الخاسرون الاكبر من سلسلة الاحداث هذه؟ الاكراد. فقد فقدوا الفرصة للتقدم في استقلالهم (من الصعب التوقع متى سينالون فرصة اخرى)، كونهم لم يتمكنوا من الاتحاد وعرض جبهة متراصة من حدود ايران وحتى منطقة حلب. لم يعلقوا آمالا كبيرة جدا على الولايات المتحدة، التي خيبت املهم في لحظة الاختبار. ليس معروفا ما وعد به الامريكيون الاكراد، ولكن يبدو أن الاخيرين بقوا شبه وحدهم يتحملون عبء الحرب ضد داعش، في سوريا وفي اجزاء مختلفة من العراق، على مدى فترة طويلة.

لا شك أن تأييد الولايات المتحدة للاتراك، هذه الايام بالذات، ضد التطلعات الكردية (رغم التحفظ اياه من قتال الاتراك ضد الاكراد) سيسجل في طالح البيت الابيض في ارجاء الشرق الاوسط. مرة اخرى يبدو ان الولايات المتحدة خانت اصدقاءها. يحتمل أن لا يكون هذا وصفا صحيحا للحقائق، ولكنه على الاقل هو الانطباع المتراكم.

الحلف الروسي – الايراني

على مدى كل هذه الخطوات، فان من ضعف هو المحور العربي – السني، الذي تقوده السعودية – فهو لم ينجح حتى الان في تحقيق أي من أهدافه. وكنتيجة لذلك فان ايران هي التي تتعزز، حين تربح اكثر من كل دولة اخرى من بقاء الاسد في الحكم، وهو الذي ترعاه.

الاسد في دمشق هو جزء هام في المحور الشيعي الذي عملت ايران على اقامته في مربع طهران – بغداد – دمشق – بيروت. في طرف هذا المحور تواصل ايران الامساك واستخدام حزب الله كيد طويلة لها. ومع ذلك فان التنظيم الارهابي يدفع ثمنا باهظا على ذلك، بالخسائر، بالجرحى وبفقدان شرعيته كحامٍ للبنان (وحتى كحامٍ للشيعة في لبنان). من المهم لايران اكثر الحفاظ على الاسد من التخفيف عن نصرالله، بسبب التفضيل الواضح للمصلحة بعيدة المدى على الضغوط التكتيكية في داخل المحور.

مؤشر آخر على التحسن في مكانة ايران هو منظومة العلاقات المتطورة لها مع روسيا، التي طالت يدها في المجال الجوي . لا توجد أي صدفة في الموعد القريب الذي بين الاتفاق النووي الايراني وانتشار القوات الروسية في سوريا وتعميق التعاون بين موسكو وطهران في القتال الى جانب الاسد، ولا حتى ايضا في توريد السلاح الروسي المتطور لايران.

عمليا، كان الاتفاق مع ايران مدخلا لتغيير العلاقات بين الدولتين، والتي باستثناء المجال النووي، لا يوجد عليها أي قيد. وهي ستواصل التطور في جوهرها، حتى اذا كان بسبب عدم الراحة الايرانية توقف النشاط الجوي الروسي من الاراضي الايرانية. ومع هذا التعاون ايضا تجد الولايات المتحدة صعوبة في التصدي له، الوضع الذي يفزع الدول العربية السنة، كونه يعزز قوة ايران.

المدى البعيد

تتضح نتيجة كل هذه الخطوات في مستويين. الاول، في المستوى الدولي، حيث اصبحت الولايات المتحدة كمن ليس لها نفوذ على مصير سوريا، لدرجة انها تتبين كقوة عظمى لا تعرف (او لا تريد) كيف تحقق قوتها في المنطقة. وهي تركز على القتال ضد داعش وبقدر معين تنجح في ذلك، ولكن فضلا عن ذلك نفوذها في المنطقة آخذ في الضيق. ومقارنة بها، فان روسيا تكسب المزيد من النفوذ، باستثمار غير كبير، ولا سيما بسبب الانعطافة التركية، إذ واضح ان بدونها لن يقوم أي شيء حقيقي في سوريا.

على المستوى الشرق أوسطي، فان المحور الشيعي يتعزز. تركيا منشغلة في شؤونها وفي كل الاحوال تشعر بانها أقرب الى الاخوان المسلمين منها الى المحور العربي السني (الذي عناصره الهامة هي السعودية ودول الخليج) والذي كما أسلفنا فشل حتى الان.

في سوريا نفسها الهدوء بعيد، وان كان انضمام تركيا الى المحور الايراني – الروسي يمكنه أن يؤدي في المدى البعيد الى اضعاف الثوار لدرجة تآكل قدرتهم امام الجهد الشيعي – الروسي. هذا ليس تطورا قريبا، ولكن هذا هو نتيجة محتملة كنتيجة للوضع الجديد. في هذه الاثناء لا حاجة لان تغير اسرائيل سياستها الحذرة في سوريا، ولكن في ضوء ما يجري في المنطقة، ينبغي لتعزز قوة المحور الشيعي أن يكون في مركز الاهتمام الاستخباري والاستعدادات الاسرائيلية. - اسرائيل اليوم 4/9/2016