عمان - بترا - اخلاص القاضي – ينتظر الطالب مؤيد 16 عاما نهاية العام الدراسي الحالي بفارغ الصبر ليس لان ذويه وعدوه برحلة سياحية، لكن لانه وعد نفسه بحرق كتبه المدرسية على نحو انتقامي ثأري من دراسة يومية حبسته في غرفته يوميا لساعات وسط الحاح اهله على ظفره بمعدل "يبيض وجوههم" كما قال لوكالة الانباء الاردنية "بترا".

مؤيد ليس وحده من يفكر بهذه الطريقة، بل يبدو ان حرق الكتب او تمزيقها نهاية العام الدراسي اضحى "طقسا" ، يحاكي طقوس قبائل اسطورية بسياق مشهد احتفالي انتقامي ثأري من زائر غريب قد يكون عدوا محتملا كما نراه في افلام "الفانتازيا" ، ويبدو ان الكتب المدرسية والحالة هذه اضحت العدو الافتراضي المشترك لمرتكبي الحرق. متخصصون يرون ان حرق الكتب المدرسية يعبر عن حالة من العنف مع سبق الاصرار ونية واضحة للتخلص مما علق في الذهن من شظايا ورذاذ تعليمي هش ومجاراة لواقع حول مفهوم الشهادة (الكرتونة) باستحقاقها الاكاديمي الذي تحول لدى بعضهم الى مفهوم "الكرتونة" ليس الا.

ويطالبون باعادة الاعتبار للكتاب وتحسين علاقتنا به بما يضمن التعليم الحقيقي عبر تغيير اساليب التدريس من تلقينية الى ابداعية، مشوقة ، تحاكي عقلية الشباب الذي ولج عصر "الديجيتال".

ويستذكرون في هذا السياق ماضيا ليس ببعيد لجيل كان يحتفظ بالكتب ليرحلها لمن يأتي من بعده سواء اكان جارا او قريبا، وكانت الاسر تحتفظ بالكتب مراجع مهمة حيث تتخذ من رفوف البيت مكتبة كتذكار لما مر على ابنائها من معرفة متنوعة في كل المساقات.

ثمة انواع من العلاقات بين الطلبة وبيئتهم الاسرية والمدرسية ومنها الرفقة بين الطالب وكتبه على ما يقول المتخصص في علم الاجتماع الدكتور حسين محادين، متابعا تختلف درجة هذه العلاقة من طالب لاخر وفقا لبيئته الاسرية وطبيعة عيشه ونظرته للكتاب وللمدرسة .

ولذلك نجد ان بعضهم يميلون لقطع علاقاتهم مع الكتاب الذي يعالج مستوى تعليميا معينا ، ومرد هذا هو ان طبيعة العقل العربي عادة لا تنظر الى مفهوم التراكم الطوعي للمعرفة او العلاقات بصورة متكافئة او متساوية لذا يشعر الطالب انه قد تخلص في نهاية العام من حقبة زمنية ومحددات سلوكية اضطر الى القيام بها بحكم الواجب وربما استرضاء لرغبة الاهل .

واللافت ان فكرة السلوك الجمعي المتمثل في حرق الكتب او اتلافها ومشاهدتها للتمتع بهذا المشهد ، انما يمثل "طقسا" تفقد فيه الذات الفردية قدرتها على النقد والتمحيص في الاشياء , وكأنه ذوبان للذات مع السلوك الجمعي الراغب في التخلص من حقبة زمنية بصورة مشتركة .

وبناء عليه يوضح الدكتور محادين فاننا نشعر ان هذا السلوك الفعلي الذي يبدو ثأريا على نحو ما قد تكثف ليقول للعلن " اننا مارسنا او تحملنا ما لا قناعة لنا به قبلا ونحن الان نعلن انفكاكنا عنه وكأننا نعود الى عدم المراكمة في المعرفة الحقيقية والتعلم الهادف " ويضيف في سياق متصل اننا نجد احيانا ان طلبة يشغلون مراحل دراسية هي اعلى من امكاناتهم الفكرية والادائية والنمائية فقط بحكم النجاح التلقائي او ما يسمى باقتصاد التعليم الذي اصبح تبريره بان الكلف المادية لرسوب الطلبة كبير ، ولذلك نجد ان اولئك الطلبة الذين ينتظرون نهاية العام الدراسي لاحراق كتبهم او تمزيقها يقومون بتتويج ضعفهم ومحدودية الحصيلة المعرفية لديهم ، وهم بالتالي اميون في السلوك والتعبير .

ويذهب الدكتور محادين الى ابعاد اخرى تتصل بمسألة حرق الكتب قائلا ان العنف الذي يجري في بعض مدارسنا ما هو الا اشارة دامغة على اعتقاد بعضهم ان الصوت المرتفع وايذاء الاخرين يمكن ان يغطي على غياب الهدف الحقيقي من وراء التعلم والدراسة معتقدا ان تمزيق الكتب او حرقها ربما يكون جزءا من اسقاط سياسي واجتماعي .

حرق الكتب هو بلا شك سلوك عنيف وفقا له ، ويعبر عن حالة الانقطاع الحضاري ، ويشي بسبق من الاصرار على التخلص مما علق من شظايا او رذاذ تعليمي هش ومجاراة لواقع حول مفهوم الشهادة باستحقاقها الاكاديمي الذي تحول لدى بعضهم الى مفهوم " الكرتونة " ليس الا .

ويسهب الدكتور محادين في التحليل ذاهبا الى ان تواطؤ بعض الاسر في عدم اقرارهم بالامانات الحقيقية لابنائهم وتفضيلاتهم جعلهم منساقين الى عدوى التعليم الصوري ، لذلك نجد في الكبر محاولة جمعية للتغلب على الضعف بشراء الشهادات واستغلال الهوس التعليمي الزائف عند بعضهم بصورة لا تقل عن اعتداء بعضهم على كل ما هو عام في المجتمع . لذلك نجد ان عددا من حملة " الكراتين " يمارسون سلوكا لا يستقيم مع مضامين التعليم وحقيقة الحوار , وانما بعضهم عبارة عن وقود لجماعات محدودة التفكير من الذين لا يعترفون بالراي الاخر .

ويوجز الدكتور محادين ما يمكن ان يخفف من وطأة ما يسميه بالعداء بين بعض الطلبة والكتاب هو ان على الاهل ان يقروا بان هنالك فروقا فردية بين ابنائهم من حيث درجة ميل بعضهم لاخذ منحى اخر غير التعليم النظامي في الابداع ، وان نعيد تحسين علاقتنا مع الكتاب بما يضمن التعليم الحقيقي من مضامينه عبر تغيير اساليب التدريس من تلقينية الى ابداعية ، مشوقة ، تحاكي عقلية الشباب الذي ولج عصر " الديجيتال " .

استشاري الطب النفسي الدكتور محمد الحباشنة يقول ان حرق الكتب في نهاية العام الدراسي سلوك يقوم به فعلا بعض الطلبة ولربما يعود ذلك الى ماهية وتعريف المنهاج بالنسبة لهم ، فاذا نظروا اليه على انه مصدر للمعرفة والاستزادة من العلم وربما الاحتفاظ به كمرجع علمي هام فينبغي الا يحرق ويستدرك : ولكن من يحرقه ربما ينظر الى المنهاج على انه عبء دراسي ليس الا ، عبء ارتبط بالحاح الاهل على ابنائهم او تمنيهم عليهم بان يدرسوا خاصة في اوقات الامتحانات في الوقت الذي يتفلتون منه لمتابعة اخر المستجدات على مواقع التواصل الاجتماعي والتلهي بتطبيقات الهواتف الذكية من " واتس اب ، وفايبر " والعاب مسلية اخرى ، وغيرها ويذّكر الدكتور حباشنة بماض ليس بعيدا لجيل كان يحتفظ بالكتب ليرحلها لمن يأتي بعده بالصف سواء اكان جاره او قريبه ، وكانت الاسر كما يردف تحتفظ بالكتب كمراجع هامة لاستذكار معلومات تتعلق بالمناهج اللاحقة ، بل تتخذ من رفوف البيت مكتبة كتذكار لما مر على ابنائها من كتب متنوعة في كل المساقات .

ويلفت الدكتور الحباشنة الى اهمية شراكة الاهل في اعادة الاعتبار لنظرة الطلبة لكتبهم والتعامل معها بقيمة تتلاقى واهمية المعلومات الواردة فيها تاريخية كانت ام دينية ام وطنية ، مشيرا الى ان حرق الكتب ليس مبررا حتى ولو كان في سياق " فشة الغل". غير انه يعود للقول : ربما نبرر قليلا لطلبة التوجيهي ذلك ، بعد الضغوط التي تكون قد مرت بهم ، ولاسيما ان كلمة توجيهي ارتبطت ذهنيا بالضغط النفسي لدى الكثير من الطلبة ، وهذا واقع لا نستطيع ان ننكره ، متسائلا : هل حرق الكتب بالنسبة لهم هو حرق لمراحل ، من يدري ، ربما هو كذلك بالنسبة لهم خاصة اننا نتحدث في هذا السياق عن مرحلة عمرية جديرة بالاهتمام والمتابعة ، انها مرحلة المراهقة.

وعليه ، فان التوقف عند الطلبة الذين يحرقون كتبهم امر يستدعي الاهتمام والدراسة ، لانه تصرف قد يبدو ساذجا ، ولكنه يحمل في طياته بعدا انتقاميا وثأريا عنيفا . ويأسف عميد كلية الشريعة في الجامعة الاردنية الدكتور محمد الخطيب من جهته لقيام بعض الطلبة بحرق كتبهم او تمزيقها قائلا : الاصل ان الكتاب مقدر ، وبداية التنزيل الكريم كان " اقرأ " فالقراءة هي اساس الدين الاسلامي الحنيف ، لقوله تعالى " اقرا باسم ربك الذي خلق " ، ويعني هذا ان القراءة امر الهي محسوم .

ويتابع : لهذا نجد ان المسلمين استفادوا من كل الثقافات والحضارات الاخرى عبر القراءة حين امتثلوا لامر الله سبحانه وتعالى " اقرأ " ، وبناء عليه ومن منطلق ديني خالص لا يجوز مطلقا حرق الكتب المدرسية وغيرها من الكتب المفيدة .

ويضيف تربية الابناء على ان القراءة والاهتمام بالكتاب هي من الاوامر المقدسة التي نعتز بها، معولا على دور المدرسة والبيت في آن معا لحض الطلبة على احترام الكتاب.

ويسهب بقوله ان حرق صفحات معينة من كتاب ما جائز خوفا من اهانتها خاصة اذا تضمنت ايات قرانية كريمة، لكن ان نحرق كتبا احتوت على ايات قرانية عامدين متعمدين فقط من اجل اللهو فهذا لا يجوز على الاطلاق، وفيه استهانه مرفوضة بمحكم التنزيل لا قدر الله. وفي سياق متصل يقول الدكتور الخطيب : علينا ان نعلم الاجيال معنى العطاء حين نجيّر الكتب المدرسية للطلبة الفقراء ما يعزز معنى الاحساس مع الاخر ، بدلا من حرقها في سياق سلوك لا يمكن تفسيره الا على نحو عدائي بعيدا عن منظومة التعليم والتربية التي نبتغيها من رسالة العلم.